أشباح الكرملين.. ماذا يمكن أن يصنع الهاكرز الروسي بالعالم ؟

  

احد الهاكرز


الجيش الروسي السري بالغ التطور الذي استغرق تأسيسه عشر سنوات حتى بلغ عدده حوالي مليون هاكرز، وبميزانية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات ، لا تجد مكان في أوروبا وحتى أمريكا إلا وبه بصماته، فما قصة هذا الجيش ؟ وكيف نشأ ومن أين له بكل هذه القوة وما هي أخطر عملياته؟


جيش أشباح خاص جداً

تمتد جذور هذا الجيش السري إلى عهد السوفييت ، تحديداً جهاز الاستخبارات السوفيتي ذو السمعة الأسطورية KGB ، حينها كان فرضا على جواسيس ال KGB تخصيص حصة رئيسية من تدريباتهم لإيجاد أفكار لحملات إعلانية كاذبة وأخبار مفبركة يمكن نشرها عن أعداء السوفييت في وسائل الإعلام التقليدية لتضليل العامة بها.


ومع ظهور الإنترنت سريعاً ما تحولت هذه الحملات إلى الفضاء الإلكتروني ، عقبها أضيف إليها القرصنة الإلكترونية ، لتتحول اليوم على يد الكرملين إلى سلاح أساسي في ترسانة القوة الروسي ، يصل عدد أفراده إلى حوالي مليون قرصان وبميزانية تقدر ب 50 مليار دولار.


في البداية استغل نظام بوتين هذا الجيش لمهاجمة مواقع المعارضة الناشئة ، والسيطرة عليها أو إغلاقها تماماً ، تماماً كما حدث لموقع وكالة الأنباء الشيشانية ( قلب القوقاز ) سنة 2002.


كانت هذه الهجمة من أوائل الهجمات غير الرسمية الإلكترونية الروسية ، بعدها صارت القرصنة هي أداة بوتين المفضلة لمهاجمة المعارضين له من دول الإتحاد السوفيتي السابق بداية من إستونيا التي أعلنت عن نقل نصب تذكاري للجنود السوفييت من العاصمة ، رد القراصنة الروس بهجوم إلكتروني أعتبر جديد من نوعه وقتها ، تسبب في شلل تلك الدولة الأوروبية بالكامل.


تلتها ليتوانيا في العام التالي ، ثم تكررت الهجمات في جورجيا وقيرجيزستان وكازاخستان وأوكرانيا.


بالحديث عن أوكرانيا، تعتبر حقل التجارب الأول لجيش القراصنة الروسي لاختبار قدراته وفاعليته.


لم تبني روسيا هذا الجيش السري لتستخدمه في مناسبات محددة ، بل تعتبره سلاحاً فعالاً يستخدم دائماً ، الجيش الذي وصف بأن هجومه الأول كان هجوماً لقطاع طرق همجيين يدمر بلا تمييز أو تخطيط ذكي.


ليتطور لتتحول هجماته إلى هجمات مجموعة من النينجا شديدي المهارة.


أذهل هذا التخطيط محللي الأمن السيبراني الذين وصفوه بأنه يوافق ( عقيدة غيراسيموف ) نسبة إلى الجنرال الروسي فاليري غيراسيموف الذي يرى أن روسيا ليست بحاجة إلى مضاهاة القوة العسكرية لأعدائها لأنه أمرا يصعب تحقيقه، بل كل ما تحتاجه هو مزج القوة الاستخباراتية والتكنولوجية والاقتصادية والدبلوماسية لتصبح قوية بما يكفي أمام خصومها.


عمليات القراصنة الروس

عرف العالم عقيدة غيراسيموف عام 2013 ، وبعدها بعام واحد بدأت عمليات الجيش السري ضد أوروبا.


استغل القراصنة ثغرة في أنظمة التشغيل ويندوز التابعة لعملاق التكنولوجيا مايكروسوفت والتي كانت تجهل هذه الثغرة.


بدأوا بالتجسس على أجهزة تابعة لحلف شمال الأطلسي ( الناتو ) بجانب عدة دول أخرى.


ثم اخترقوا شبكة حاسوب مجلس النواب الألماني ( البوندستاج ) محاولين الحصول على معلومات تخص قادة المجلس والناتو وغيرهم.


كما هاجموا أجهزة تابعة للحكومة الهولندية قبل أن يحاولوا التأثير على الإنتخابات الألمانية والفرنسية والأمريكية خلال العامين التاليين.


كان اختراق البريد الإلكتروني للحزب الوطني الديموقراطي الأمريكي .عملية روسية طويلة المدى ربما تكون قد إستمرت لأكثر من عامين، سربت خلالها آلاف الرسائل لتقويض مصداقية هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الوطني الديموقراطي أمام دونالد ترامب من أجل ترجيح كفته.


ورغم فوز ترامب الذي روج لنفسه أنه صديق روسيا القادم لم يمنع الهجمات الروسية الإلكترونية على أمريكا بل على العكس.


بنهاية عام الانتخابات الأمريكية حاول القراصنة الروس مهاجمة شبكة الكهرباء الأمريكية العامة ، وبعدها بعامين اتهمت واشنطن روسيا رسمياً للمرة الأولى بالهجوم الإلكتروني عليها ، ردت واشنطن بمهاجمة شبكة الكهرباء الروسية ، صعدت روسيا الرد فحاولت التلاعب بانتخابات التجديد النصفي للكونجرس في العام نفسه ، والانتخابات الرئاسية التالية.


ثم عاد القراصنة الروس لمهاجمة البنية التحتية الأمريكية فبدأوا  بشركة ( سولار ويندز ) التي تعمل في مجال تطوير الشبكات ، حيث استغل القراصنة أحد برامج الشركة للوصول إلى عملائها حول العالم ، ومن بينهم وزارة الخزانة ووزارة الطاقة بالإضافة إلى وزارة العدل ووزارة التجارة ووكالات أخرى.


أثر هذا الهجوم على أكثر من 100 شركة أمريكية بجانب 18 ألف عميل لشركة سولار ويندز حول العالم.


أعتبر هذا الهجوم الأكبر وأكثرها تعقيداً في تاريخ الحروب السيبرانية التي تعرضت لها أمريكا والذي استمر حوالي 8 أشهر قبل أن يتم اكتشافه ، ولا أحد يدري حتى الآن حجم تلك البيانات التي استولت عليها مجموعة ( نوبليوم ) الروسية المتهمة بتنفيذ هذا الهجوم والمدعومة من الكرملين.


لم تكن هذه العملية سوى بداية لسلسلة من الهجمات التي استهدفت البنية التحتية الأمريكية ودول أخرى حول العالم.


تلا تلك العمليات عدة هجمات ببرامج فدية استهدفت شركات منها شركة كولونيال بايب لاو والتي تعد أكبر شركة أمريكية لنقل الوقود عبر خطوط الأنابيب ، وشركة JBS أكبر شركة لمعالجة اللحوم في العالم.


وصف كل هجوم من هؤلاء بالأول والفريد من نوعه ، وتسبب في تعطل الشركات المستهدفة وغلق شبكاتها على الإنترنت حتى تدفع تلك الشركات الفدية.


أما عن المبلغ المطلوب كان 5 مليون دولار من شركة كولونيال بايب لاو ، و11 مليوناً من شركة جي بي إس .


الرد الأمريكي 

كانت تلك الهجمات حافزا للرئيس الأمريكي جو بايدن لإعطاء تحذيرات شديدة اللهجة لنظيره الروسي لإيقاف جيشه الروسي الإلكتروني وإسقاط مواقع مجموعات القراصنة وإلا أسقطها الأمريكيون بأنفسهم.


أنكرت روسيا أن تكون للحكومة الروسية صلة بتلك الهجمات أو أن تكون لأي من مؤسساتها صلة بالقراصنة.


وبعد عدة أيام من تهديدات بايدن اختفى موقع مجموعة القراصنة المعروفة ب ( رانسوه وير إيفل) الأكثر هجوماً على أمريكا.


كانت تلك العملية لاسقاطه مشتركة بين واشنطن وحلفاؤها ، والتي تعتبر واحدة من أولى العمليات الهجومية الإلكترونية التي ينفذها الغرب ضد عصابات الفدية الروسية.


ونتيجة لذلك تراجعت حدة الهجمات التي ظلت تضرب أمريكا ، لكن ذلك لا يعني أن ذلك الجيش سيتوقف.


هل يتوقف القراصنة الروس؟

لقد اكتسب قراصنة الإنترنت الذين نشأوا في روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي سمعة وضعتهم بين أكثر مجرمي الإنترنت نشاطاً وخطورة.


طور هؤلاء القراصنة تكتيكات تخفي مشابهة لتكتيكات النينجا بالفعل، ما ضمن لهم البقاء دوماً في الظلام، لتجنب الأعمال الانتقامية من المؤسسات الأمنية والسيبرانية للجهات المتقدمة في أمريكا وغيرها.


كما أنهم يستخدمون هذا الوقت للتطور والعودة بشكل أقوى استعداداً للهجوم الشامل.


تحتاج روسيا لمثل هذه التكتيكات لمنحها مساحة للتفاوض ويداً عُليا فيما يتعلق بتهديد الأمن العالمي.


لكنها وللمفارقة تضع روسيا أيضاً في قلب هذه التهديدات ، ففي فوضى هجمات أوكرانيا عام 2017 اُستهدفِت مواقع وشبكات روسية ، كما أن بدايات العام نفسه شهدت توجيه تهمة الخيانة لعدد من مسؤولي وحدة أمن المعلومات الروسي TsIB ، بعدما نقل سيرجي ميخائيلوف وهو أحد مديريها التنفيذيين معلومات للاستخبارات الأمريكية ساعدت في إتهام روسيا علانية بإختراق الانتخابات الرئاسية الأمريكية بين هيلاري كلينتون وترامب.


ارتبطت سلسلة الاعتقالات تلك بعمليات قرصنة لعناوين إلكترونية وحسابات مجموعة من كبار المسؤولين الروس ، مثل إختراق البريد الالكتروني لرئيس الوزراء الروسي السابق ديمتري ميدفيديف.


كانت تلك الهجمات طعنة في ظهر الكرملين من ابناؤه المخلصين ودليلاً على أن روسيا ليست في معزل عن الهجمات السيبرانية.


وللمفارقة مرة أخرى فإن الجيش الذي صنعه بوتين ووظفه لإعادة المجد الروسي وجعله بهذه الشراسة والتطور قد يكون هو ذاته المسمار الأخير في نعش نظامه شخصياً بل وروسيا بالكامل.


المصدر : a7ssan + مواقع إلكترونية

تعليقات