باكستان كنز الصين المنشود في قلب آسيا


الصين وباكستان


تتطلع باكستان عبر انخراطها مع الصين في مشروع مبادرة الحزام والطريق أنه سيحقق لها الرخاء والاستقرار، وسيُجنِّبها سيناريو كارثيا مشابها لما حدث في سريلانكا مؤخرا.


باكستان التي تعتبر حليفة الولايات المتحدة تتشارك اليوم بعلاقات قوية مع بكين ، فهل تعتبر مقامرة الصين الباكستانية حماقة، وهل الاعتماد على بكين رهانًا سيئًا؟


بلد على المحك

باكستان هي خامس أكبر تعداد سكاني في العالم ويبلغ حجم اقتصادها 340 مليار دولار. وقد انخفضت إنتاجيتها الاقتصادية في السنوات الست الماضية إلى مستويات غير مسبوقة، فقد تقلصت العائدات المحلية والاحتياطي الأجنبي، وانخفضت قيمة العملة المحلية، وارتفعت نسبة البطالة، وتفاقم الفساد السياسي.


بالإضافة إلى إجمالي الدين الخارجي للبلاد الذي تضاعف منذ عام 2016، حيث وصل إلى رقم ضخم بلغ 131 مليار دولار. في الوقت الذي يرفض فيت قادة باكستان المتشاحنون فيما بينهم الانتباه لما يحيق بهم.


ومن أجل تجنب التخلُّف عن سداد الديون، أتجهت الدولة للاقتراض لتمويل نفقاتها والوفاء بسداد الديون، كان أخرها من الصين بمقدار 2.3 مليار دولار.


كما تفاوضت مع صندوق النقد الدولي على استئناف حزمة الإنقاذ البالغة ستة مليارات دولار، والذي طلب رفع أسعار المحروقات والكهرباء، وهي طلبات أثارت غضبا شعبيا. وقد حاولت الحكومة جعل الباكستانيين يتقبَّلون واقع الظروف العصيبة عن طريق خفض نفقات البلاد الضخمة وهي تدابير قصيرة الأمد ربما توفر لباكستان بعض الوقت، إلا إنها لن تضمن لاقتصاد البلاد أن يقف على قدميه.


تواجه باكستان إذن احتمالية وقوع تداعيات خطيرة ، مع تصاعد اضطراب الأوضاع السياسية في البلاد في السنوات الأخيرة بسبب تصرفات قادتها، وتدخل الجيش في الحياة السياسية، وحدة الاستقطاب الشعبي.


باكستان كنز الصين المنشود في قلب آسيا

تدين باكستان بربع دينها الخارجي تقريباً للصين، فعلى مر القادة الذين حكموا باكستان كانت الثقة في الشراكة الصينية هي أبرز ما أشتركوا فيه جميعاً.


بدا ذلك واضحاً في موقفها من أضهاد المسلمين في كلاً من الصين والهند، ففي حين توجه باكستان اللوم إلى جارتها الهندية على تهميشها الأقلية المسلمة في البلاد وشنها الهجمات ضد المسلمين، فإنها هي نفسها رفضت إدانة سوء المعاملة الجماعية التي تنتهجها الصين بحق السكان المسلمين من أقلية الإيجور.


وتأكيداً على متانة التحالف الصيني الباكستاني وصف مسؤول صيني ذات مرة لنظيره الأميركي باكستان بأنها إسرائيل الصينية، وهو ما يبرر اعتزام الصين استثمار 62 مليار دولار ،ما يعادل تقريبا خُمس الناتج المحلي الإجمالي لباكستان في الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، وهو المشروع الأكبر المُخصَّص لدولة واحدة ضمن برنامج بكين لاستثمارات البنية التحتية حول العالم، والمعروف بـ"مبادرة الحزام والطريق".


أبرز ما يتضمنه هذا الممر الاقتصادي تطوير شبكة بنية تحتية واسعة النطاق في باكستان، وتدشين ميناء بحري كبير، بالإضافة إلى مشروع سكك حديدية بقيمة 7.2 مليارات دولار، وشبكة مترو أنفاق في "لاهور" بقيمة ملياري دولار، ومحطات لإنتاج الطاقة الكهرومائية، وتدشين مئات الأميال من كابلات الألياف الضوئية بين البلدين (سيبنيها ويديرها عملاق الاتصالات الصيني "هواوي")، بالإضافة إلى إقامة عدد من المناطق الاقتصادية الخالصة.


تفوق هذه الالتزامات الصينية مجموع الاستثمارات الأجنبية المباشرة في باكستان والمساعدات الأجنبية المُقدَّمة لها من خارج الصين مجتمعة، بما فيها تلك القادمة من الولايات المتحدة.


وهو ما يبرر حجم التدخل الصيني الهائل في باكستان، فقد منحت المشروعات الصينية إعفاءات ضريبية شاملة ، والذي تسبَّب في خسارة كبيرة للدخل القومي. ولأن معظم هذه المشروعات تتطلب مُعدَّات من الصين، ارتفعت قيمة الواردات الباكستانية ارتفاعا كبيرا.


كما أن معظم هذه المشروعات تفضل جلب العمالة الصينية وهو ما يحرم الشعب من التوظيف في المشروعات المقامة على أرضه.


ورغم كل ذلك لا تزال الصين وباكستان شريكتين مقربتين، فالصين أكبر مورد للأسلحة إلى باكستان. فقد زوَّدت بكين باكستان بـ70% من وارداتها من الأسلحة بين عامي 2010-2019، التي بلغت قيمتها أكثر من خمسة مليارات دولار. وبين عامي 2017-2021، بلغ نصيب باكستان من إجمالي صادرات الأسلحة الصينية عالميا نسبة مذهلة وصلت إلى 47%.


وهو تعاون أصبح جلياً منذ جلبت الصين مبادرة الحزام والطريق إلى باكستان. ويبدو أن الصين تساعد باكستان في الاستعداد لحرب محتملة مع الهند،  إذ يمدُّونها بمجموعة كبيرة من الطائرات المقاتلة، والمُسيرات المسلحة، وأنظمة الدفاع الجوي، والغواصات، والسفن المقاتلة، ومروحيات النقل والاستطلاع، والدبابات، والذخيرة الموجهة، علاوة على تزويد باكستان بأنظمة صواريخ باليستية، فيما يُعَدُّ انتهاكا لاتفاق "نظام ضبط انتشار تكنولوجيا الصواريخ" (Missile Technology Control Regime)، الذي يشمل 35 دولة مُلزمة بألا تنتشر تقنيات صناعة الصواريخ حول العالم.


ونتيجة لذلك صارت باكستان معتمدة بشكل كبير على الصين. كما أن الدعم الباكستاني لبعض الجماعات الجهادية مثل حركة "طالبان" الأفغانية قد نفَّر الحكومات الغربية من تعزيز علاقاتها مع إسلام آباد، مما جعل تعاونها أقل بكثير مع بلد كان حليفا مُقرَّبا من الولايات المتحدة يوما ما.


المصدر : a7ssan + فورين أفيرز

تعليقات