على الرغم من أن اللون الأزرق من أبهى الألوان الموجودة في الطبيعة، ورغم تفرده بجماله بين الألوان إلا أننا نكاد لا نجده بكثرة في الطبيعة سواء بين الكائنات الحية أو حتى في الصخور المختلفة في الطبيعة.
فعندما تنظر إلى السماء الزرقاء أو إلى زُرْقة المحيط التي تبدو لا نهائية، قد تعتقد أن اللون الأزرق شائع جدًّا في الطبيعة، ولكن من بين جميع الألوان الموجودة في الصخور والنباتات والزهور أو في فرو الحيوانات أو ريشها أو جلودها، نجد أن اللون الأزرق نادر على نحو مذهل، ولكن ما سبب ندرة اللون الأزرق؟ تأتي الإجابة من الكيمياء والفيزياء التي تفسِّر كيف تتكون الألوان وكيف نراها.
كيف ترى أعيننا الألوان
تحتوي كل عين من أعيننا من ستة إلى سبعة ملايين خلية حساسة للضوء تسمى الخلايا المخروطية، وهناك ثلاثة أنواع مختلفة من الخلايا المخروطية في عين الشخص الذي يتمتع برؤية طبيعية للألوان، وكل نوع من هذه الخلايا المخروطية أكثر حساسية لطول موجي معين من الضوء: الأحمر أو الأخضر أو الأزرق، وتصل المعلومات من ملايين الخلايا المخروطية في العين إلى أدمغتنا على شكل إشارات كهربائية تنقل جميع أنواع الضوء المنعكس عن ما رأته أعيننا، وهي التي تُفَسَّر بعد ذلك إلى ظلال مختلفة من الألوان.
وعندما ننظر إلى جسم ملون مثل الياقوت المتلألئ أو زهرة الكوبية النابضة بالحياة، «يمتص الجسم جزءًا من الضوء الأبيض الساقط عليه، ولأنه يمتص بعض اللون، يكون للجزء المتبقي من الضوء لون».
وعندما ترى زهرة زرقاء، زهرة الذرة على سبيل المثال، فأنت ترى الزهرة باللون الأزرق لأنها امتصت اللون الأحمر من الطيف، ببساطة تظهر الزهرة باللون الأزرق لأن تلك الزهرة امتصت كل ألوان الطيف السبعة التي يتكون منها اللون الأبيض بينما لم تمتص اللون الأزرق الذي انعكس وعاد إلى العين.
ويمتلك اللون الأحمر طولًا موجيًّا طويلًا، ما يعني أنه منخفض الطاقة للغاية موازنةً بالألوان الأخرى، ومن أجل أن تظهر الزهرة باللون الأزرق، «يجب أن تكون قادرة على إنتاج جزيء يستطيع امتصاص كمية ضئيلة جدًّا من الطاقة، من أجل امتصاص الجزء الأحمر من الطيف».
ومن الصعب على النباتات إنتاج مثل هذه الجزيئات، لأنها كبيرة ومعقدة، وهذا هو السبب أن الزهور الزرقاء تمثل 10% فقط من أنواع النباتات المزهرة في العالم والتي يبلغ عددها 300 ألف نوع تقريبًا، وقال أدريان داير، الأستاذ المشارك وخبير الرؤية في معهد رويال ملبورن للتكنولوجيا في أستراليا، متحدثًا لشركة الإذاعة الأسترالية عام 2016: «إن أحد الدوافع المحتملة لتطوير الأزهار الزرقاء هو أن اللون الأزرق لافت للنظر فيما يخص الملقِّحات مثل النحل، وإنتاج أزهار زرقاء قد يفيد النباتات في النظم البيئية التي تكون فيها المنافسة على الملقِحات عالية».
لماذا يندر اللون الأزرق في المعادن والكائنات الحية؟
فيما يخص المعادن، فإن تراكيبها البلورية تتفاعل مع الأيونات (الذرات أو الجزيئات المشحونة) لتحديد أي جزء من الطيف يُمتص وأي جزء ينعكس، ويحتوي معدن اللازورد، الذي يُستخرج فقط من أفغانستان وينتج الصباغ الأزرق النادر ألترا مارين، على أيونات ثلاثي الكبريتيد، ثلاث ذرات من الكبريت ترتبط ببعضها داخل شبكة بلورية، التي يمكنها أن ترتبط أو تُطلق إلكترون واحد فقط، وهذا لأن فرق الطاقة هذا هو ما يصنع اللون الأزرق.
بينما في الحيوانات لا يأتي من أصباغ كيميائية، بل تعتمد الحيوانات على الفيزياء من أجل الظهور باللون الأزرق، فالفراشات ذات الأجنحة الزرقاء من نوع مورفة مثلاً تمتلك بِنى نانوية معقدة ومتعددة الطبقات على حراشف أجنحتها التي تتلاعب بطبقات الضوء، ما يسمح لبعض الألوان أن يُلغي بعضها الآخر وينعكس اللون الأزرق فقط، وهذا هو التأثير نفسه الذي يحدث في البِنى الموجودة على ريش طائر القيق الأزرق وقشور سمكة الهيبو تانج والحلقات الزرقاء المضيئة على الأخطبوط المبقع الأزرق الحلقات.
تعتبر الظلال الزرقاء في الثدييات أكثر ندرة منها في الطيور والأسماك والزواحف والحشرات، وبعض الحيتان والدلافين تتمتع بجلد مائل للزرقة، بينما بعض الثدييات العليا مثل السعدان الذهبي الأفطس الأنف لديها وجوه زرقاء، أما ميمون أبو الهول، فيتمتع بوجه ومؤخرة زرقاء، أما الفراء، وهي السمة المشتركة لكل الثدييات الأرضية، فلا تكون زرقاء ساطعة طبيعيًّا (على الأقل ليس بالضوء المرئي، إذ وجد الباحثون مؤخرًا أن فرو خلد الماء يضيء بظلال زاهية من اللون الأزرق والأخضر عند تعرضه للأشعة فوق البنفسجية.
لماذا تحتاج الكائنات الحية الظهور باللون الأزرق؟
بالرغم أن الأمر يتطلب كثيرًا من العمل لصنع اللون الأزرق، ما هو الدافع؟ والشيء المذهل عندما تغوص في عالم الحيوانات، فالسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان؛ من الذي يتلقى هذه الرسائل وهل يمكنهم رؤية اللون الأزرق»؟
لدى البشر ثلاثة مستقبِلات استشعار للضوء في أعينهم، بينما لدى الطيور مستقبِل استشعار رابع للأشعة فوق البنفسجية، فالريش الذي يظهر للعين البشرية باللون الأزرق «يُعكَس في الواقع من ضوء الأشعة فوق البنفسجية أكثر من الضوء الأزرق»، لذا فإن الطيور التي نسميها القرقف الأزرق، «ربما تسمي نفسها القرقف فوق البنفسجي؛ لأن هذا ما يرونه في الغالب».
الأزرق مصطلح ظهر متأخرًا في اللغة أيضًا!
نظرًا لندرة اللون الأزرق في الطبيعة، جاءت كلمة أزرق متأخرة نسبيًّا في لغات العالم؛ بينما ظهرت بعد كلمات أسود وأبيض وأحمر وأصفر، وتفسر ذلك إحدى النظريات في هذا الصدد تقول إن بإمكانك تسمية اللون بمجرد أن تستطيع صبغ الأشياء به، وعندما تستطيع فصل اللون عن الشيء، لن تحتاج إلى تسمية اللون، وصبغ الأشياء باللون الأزرق أو العثور على صبغة زرقاء حدث بالفعل متأخرًا في معظم الثقافات، ويمكنك أن ترى ذلك في علم اللغة».
ويعود تاريخ أقدم استخدام للصبغة الزرقاء إلى حوالي 6 آلاف عام في دولة بيرو، ودمج المصريون القدماء السيليكا وأكسيد الكالسيوم وأكسيد النحاس لتكوين صبغة زرقاء طويلة الأمد تُعرف باسم إيرتيو لتزيين التماثيل، حسبما أفاد الباحثون في 15 من يناير (كانون الثاني) في مجلة «حدود في علم النبات العلمية»، وكانت صبغة ألترا مارين الزرقاء الزاهية المستخرجة من اللازورد ثمينة كالذهب في أوروبا في العصور الوسطى وكانت مخصصةً في المقام الأول لتوضيح المخطوطات المزخرفة.
هذه الندرة في اللون الأزرق تعني أن الناس ينظرون إليه على أنه لون ذو مكانة عالية منذ آلاف السنين، ولطالما ارتبط اللون الأزرق بالإله الهندوسي كريشنا والسيدة مريم العذراء، ومن الفنانين الذين اشتُهِروا بأنهم يشعرون بالإلهام من اللون الأزرق في الطبيعة مايكل أنجلو وجوجان وبيكاسو وفان جوخ، وفقًا لدراسة مجلة «حدود في علم النبات»، وكتب العلماء: «الندرة النسبية للون الأزرق المتوفر في الصبغات الطبيعية هي على الأرجح سبب افتتاننا به».
اللون الأزرق في التعبيرات والمصطلحات
يلون اللون الأزرق تعبيرات ثقافات كثيرة أيضًا؛ حيث توجد عشرات المصطلحات باللغة الإنجليزية: يمكنك أن تعمل ضمن فئة الياقات الزرقاء أو تتحدث حتى يزرق وجهك، وغيرها من المصطلحات والتعابير (المترجمة حرفيًّا)، ويمكن أن يعطي اللون الأزرق معاني متناقضة وفقًا للمصطلح؛ فالسماء الزرقاء أمامنا يعني أن المستقبل المشرق ينتظرنا. بينما يعني الشعور بالزُرْقة شعور الضيق والكآبة.
ربما تكون نُدرة اللون الأزرق في الطبيعة هي التي صاغت تصوراتنا لهذا اللون والأشياء التي تكتسي به، إذ «يبدو اللون الأزرق وكأنه لوحة قماشية كاملة لا يزال بإمكانك الرسم عليها، وربما لأنه نادر في الطبيعة أو ربما لأننا نربطه بأشياء لا يمكننا لمسها مثل السماء والبحر، فهو لون منفتح جدًّا على ارتباطات مختلفة».
المصدر : البيان الإخباري + مواقع إلكترونية