من اخترع الصابون؟ .. ولماذا كان الاوربيون يخشون الاستحمام؟

 




كان الاستحمام بالماء فقط هو أقدم شكل من أشكال النظافة التي عرفتها البشرية، والتي كانت سببا في حماية البشر من الأوبئة، بل إن الكثير من العلماء يؤكدون أن الناس على مدار العصور لو واظبوا الاستحمام بصورة منتظمة ما عرف التاريخ بعض الأوبئة التي أودت بحياة الملايين، حتى أن البعض يصف الصابون بأنه أهم اختراع عرفته البشرية بعد البنسلين.


وفي التقرير الصادر من اليونيسيف، في حال استخدم كل من يحضرون الطعام في العالم الصابون، فسيؤدي ذلك إلى خفض معدل التهابات الجهاز التنفسي في العالم بنسبة 25% وتقليل أمراض الإسهال إلى النصف. وهذا من شأنه أن ينقذ حياة أكثر من مليون شخص كل عام، فلماذا لا يستحم بعض البشر؟


النظافة في الماضي

يذكر بعض المؤرخين أن الناس في حول العالم كانوا أكثر نظافة خلال العصر الروماني مقارنة بالعصور التي تليها قبل عصر النهضة. ولقد انتشرت الكثير من الأوبئة في تلك الفترة، والعجيب في الأمر أن الناس لم يغتسلوا كثيرًا حتى لو كانوا يعرفون أن النظافة في وقتهم كانت أفضل سلاح في مكافحة مثل هذه الأمراض.


ورغم أن الاستحمام وسيلة سهلة للنظافة، لم تعرف أوروبا وربما لم تهتم شعوبها بالاستحمام كما ينبغي، فقد كان الأثرياء فقط قادرين على تحمل تكاليف الحمامات الشخصية، بينما كان معظم الناس يقومون بغلي الماء في مرجل الطهي الخاص بهم ويغتسلون أو يسبحون في أي مياه عذبة من حولهم.


حتى أن بعض المؤرخين يؤكدون أن الأوروبيين انما بدؤوا الاستحمام بشكل متكرر فقط بسبب تأثير الإمبراطورية العثمانية التي كانت جادة للغاية عندما يتعلق الأمر بالنظافة.


معظم الناس في أوروبا في تلك الفترة كانوا من الطبقة الفقيرة، تمامًا مثل معظم الناس في جميع أنحاء العالم في ذلك الوقت، وبالتالي لم يكن بإمكانهم تحمل تكلفة الاغتسال كثيرًا، ولكن ما الذي منع الأثرياء والملوك في أوروبا من الاغتسال؟


لماذا كان يخشى ملوك اوروبا الاستحمام

يرى العديد من أفراد العائلات الملكية في أوروبا أنفسهم أنهم ليسوا كباقي الناس، وأنهم متميزون لدرجة أن لديهم هذه الهالة من حولهم التي ظنوا أنها ستختفي إذا تم غسلها.


بينما اعتقد آخرون أنه من المستحيل عليهم أن يتسخوا لأنهم يظنون أنهم أنصاف آلهة. ويبدو أن معظم أفراد العائلات الملكية وجدوا عذرًا لتبرير عدم الاغتسال، حتى أن بعض الملوك اعترفوا بأنهم لم يغتسلوا سوى مرتين في حياتهم كلها.


​​من الأمثلة على ذلك الملكة إيزابيلا ملكة قشتالة (1451-1504)، التي اعترفت بالاستحمام مرتين فقط في حياتها. كانت المرة الأولى عندما ولدت، والمرة الثانية كانت قبل زفافها.


ولكن اذا تحدثنا عن استحمام الملوك فهذا لا يعني أنهم لا يغسلون أيديهم أو وجوههم أو أجزاء أخرى من الجسم، لكن كان الاستحمام يُنظر إليه على أنه طقس ديني لتطهير الجسم والروح أيضًا، وبعبارة أخرى، يجب أن يحدث شيء خاص ومميز في مناسبات نادرة ليكون دافعا للاستحمام.


أما الملك لويس الـ14 ملك فرنسا (1643-1715) (المعروف باسم ملك الشمس) كان أيضًا مدافعًا عن الاستحمام مرتين في حياته.


وخلال القرنين الـ17 والـ18، حاول الأرستقراطيون الفرنسيون تجنب الاستحمام قدر الإمكان، في مقابل استخدام بودرة الوجه والزيوت الطبيعية والعطور لإخفاء جميع الأوساخ والرائحة المتراكمة.


كان لويس الـ14 يضع مكياجه كل صباح ويستخدم نصف زجاجة عطر والتي كانت كافية للقلعة بأكملها لتشتم وجوده. يقال إن الملك كان يخاف من الماء لسبب ما، والمرات الوحيدة التي استحم فيها كانت عندما كان مخمورًا، وكانت تلك هي اللحظة التي يجبره خدمه على الاستحمام.


بينما لا توجد سجلات تاريخية دقيقة لتأكيد ما إذا كان أفراد العائلة المالكة قد استحموا بصورة نادرة أم كانوا يستحمون بانتظام.


من الذي اخترع الصابون؟

إذا كانت مياه النهر هي وسيلة الفقراء للاستحمام، والعطور حيلة أثرياء أوروبا لإخفاء الرائحة غير المستحبة، فإن الصابون جاء حلا ناجعا للنظافة بشكل لم تتخيله البشرية، لكن كيف توصل المؤرخون إلى تاريخ الصابون؟



 البابليين القدماء هم من اخترعوا الصابون والأدلة على ذلك هي تلك الأوان الطينية البابلية المؤرخة في 2800 قبل الميلاد، حيث تقدم النقوش أقدم وصفة صابون مكتوبة معروفة وتشير إلى أن الصابون مصنوع من دهون ممزوجة برماد الخشب والماء. إذ كانت تلك هي الإشارات المبكرة في صناعة الصابون لغسل الصوف والقطن استعدادًا لتصنيع نسيج القماش، ولم يكن الصابون يستخدم بالضرورة لغسل الجسم.


بينما تشير بعض الدلائل في تلك الفترة الي أوصافًا موجزة لطرق صنع الصابون من الصنوبريات مثل أشجار التنوب، وهي التقنيات التي طورها البابليون والمصريون القدماء لاحقا لإنتاج الصابون المصنوع من رماد النباتات والزيوت والدهون الحيوانية، وكانت النتيجة النهائية لها نفس الخصائص الأساسية للصابون الحديث عندما يقترن بالماء، يصنع رغوة ويساعد في إزالة الأوساخ.


ووجدت بردية إيبرس (مصر، 1550 قبل الميلاد) تكشف أن قدماء المصريين جمعوا الزيوت الحيوانية والنباتية مع الأملاح القلوية لإنتاج مادة تشبه الصابون. واستخدموا هذا الخليط في علاج القروح والأمراض الجلدية وكذلك الغسيل.


ويبدو أن الصابون في الأصل قد استخدم في المقام الأول لعلاج الأمراض. يصف أحد النصوص التاريخية التي يعود تاريخها إلى عام 2200 قبل الميلاد شكلاً من أشكال الصابون يُستخدم لغسل شخص يبدو أنه كان يعاني من بعض أنواع الأمراض الجلدية.


كما قيل إن الإغريق القدماء قاموا بدمج الغسول والرماد كمنظف للأواني وتماثيل آلهتهم.


كما إن اكتشاف مصنع كامل للصابون في أنقاض بومباي الرومانية، إحدى المدن التي دمرها الثوران البركاني لجبل فيزوف عام 79 م، يشير إلى بداية تأسيس تلك الصناعة، وأن الصابون كان معروفًا على نطاق واسع في الإمبراطورية الرومانية. إلا أن الصابون لم يكن يستخدم للتنظيف الشخصي بشكل عام. بل تم استخدامه من قبل الأطباء في علاج المرضى. أصبح الصابون للتنظيف الشخصي والنظافة شائعًا خلال القرون اللاحقة من العصر الروماني.


صناعة الصابون في عصرنا الحديث 

بحلول العصور الوسطى، بدأ استخدام أنواع الصابون الجديدة التي تحتوي على الزيوت النباتية، والتي تم الترحيب بها لخفتها ونقاوتها ورائحتها الطيبة، كمواد فاخرة بين أكثر الطبقات امتيازًا في أوروبا. كان أولها صابون حلب، وهو صابون أخضر من زيت الزيتون مملوء بزيت الغار العطري، تم إنتاجه في سوريا ونقله إلى أوروبا من قبل الصليبيين والتجار المسيحيين.


سرعان ما تبعتها فرنسا وإيطاليا وانجلترا وإسبانيا من بين هؤلاء، كان صابون جابون دي كاستيلا، أو صابون قشتالة ، الذي سمي على اسم منطقة وسط إسبانيا حيث تم إنتاجه. كان صابون البار الأبيض المعتمد على زيت الزيتون عنصرًا شائعًا في أدوات الزينة بين أفراد العائلة المالكة الأوروبية. أصبح الصابون القشتالي مصطلحًا عامًا لأي صابون صلب من هذا النوع.


وما بين سنوات 1500 و1700 تجنب معظم الأوروبيون، سواء كانوا من أثرياء أو فقراء الاستحمام المنتظم خوفًا من أن المياه تنشر الأمراض والأوبئة. فاستخدم المستعمرون الصابون في المقام الأول للتنظيف المنزلي، وكان صنع الصابون جزءًا من الروتين المنزلي الموسمي الذي تشرف عليه النساء.


كانت النساء تقوم بتخزين الدهون من الذبح والشحوم الناتجة عن الطهي ورماد الخشب خلال أشهر الشتاء. وفي الربيع، كانوا يصنعون الصابون من الرماد قبل غليه بالدهن والشحم في غلاية عملاقة. كانت هذه العملية المنزلية تنتج صابونًا ناعمًا استخدمته النساء لغسل أقمشة الكتان التي كان يرتديها الجنود كملابس داخلية.


صابون معطر 

في العصر الحديث، أدى إنشاء مصانع الصابون مثل كولغيت Colgate ومقرها نيويورك، والتي تأسست عام 1807، أو شركة بروكتر آند غمبل Procter & Gamble ومقرها سينسيناتي، والتي تأسست في عام 1837، إلى مضاعفة حجم إنتاج الصابون، لكنها لم تغير في مكونات الصابون، بل بقي الأميركيون يتجنبون تلك المنتجات في الاستحمام واعتمدوا على الماء وحده.


وبحسب مكتبة الكونغرس قسم المطبوعات والصور، فقد بدأت الشركات وأبرزها بالموليف في تطوير وتسويق مجموعة متنوعة من المنتجات الجديدة للمستهلكين. وفي عام 1879، قدمت شركة بي آند جي P&G صابون إيفوري Ivory، وتبع ذلك صابون بالموليف المصنوع من زيت النخيل والزيتون في عام 1898. وكان الصابون الأكثر مبيعًا في العالم من قبل أوائل القرن الـ20.


بدأت كيمياء الصابون تتغير أيضًا، حيث أدت عقود من التجارب المعملية إلى استخدام زيت جوز الهند وزيت النخيل المستورد، ثم باستخدام زيت بذرة القطن المنتج محليًا، إلى اكتشاف الدهون المهدرجة في عام 1909. أحدثت هذه الدهون الصلبة النباتية ثورة في الصابون من خلال جعل تصنيعها أقل اعتمادًا على المنتجات الثانوية الحيوانية.


كما أدى نقص الدهون والزيوت للصابون خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية إلى اكتشاف المنظفات الاصطناعية كبديل "متفوق" لصابون الغسيل القائم على الدهون والمنظفات المنزلية.


المصدر : مواقع إلكترونية

تعليقات