كيف تشكل الأكسجين الموجود على الأرض؟.. وما هو مستقبل الأكسجين؟

 




يعتبر الأكسجين هو العنصر الأساسي للحياة على سطح الارض، ورغم ذلك لم تشغل البشرية نفسها في التفكير في كمية الأكسجين التي يتم انتاجها، نحن نتنفسه فقط، ولكن من أين يأتي هذا الغاز عديم اللون الموجود في الهواء والذي يحافظ على الحياة فوق الأرض.






نظرية حدث الأكسدة العظيم كيف تفسر نشأة الأكسجين؟

بخلاف باقي الكواكب تتمتع الأرض بعنصر هام للحياة في غلافها الجوي، حيث يشكل الأكسجين 21% من الغلاف الجوي الآن.

يمكننا القول إن الأكسجين الموجود على الأرض ربما كان نادرا نسبيا في معظم فترات تاريخ كوكبنا البالغة 4.6 مليارات سنة، إلا أنه في مرحلة ما خضعت الأرض لما يسميه العلماء حدث الأكسدة العظيم (Great Oxidation Event) "جي أو إي" (GOE)، حيث تطورت ميكروبات المحيطات لإنتاج الأكسجين عبر عملية التمثيل الضوئي، وتراكم الأكسجين لأول مرة في الغلاف الجوي للأرض في هذا الوقت الذي يعتقد أنه حدث بين 2.5 و2.3 مليار سنة من تاريخ الأرض.

ثم تسببت النباتات الأكبر حجما على الأرض في الزيادة المذهلة للأكسجين في غلافنا الجوي، واستقر الأكسجين نسبيا عند مستوى عال خلال الـ500 مليون سنة الماضية، واليوم فإن ما يقارب نصف عملية التمثيل الضوئي يتم في المحيط ونصفها على اليابسة.

لكن هذه النظرية مجرد افتراضات للعلماء في محاولة لتفسير كيف تكون الاكسجين على سطح الأرض.



ما كمية الأكسجين التي تنتجها المحيطات؟

في التقارير التابعة للإدارة الوطنية لعلوم المحيطات والغلاف الجوي "إن أو إيه إيه" (NOAA)، يقدر العلماء أن 50-80% من إنتاج الأكسجين على الأرض يأتي من المحيطات، حيث يأتي معظم هذا الإنتاج من العوالق المحيطية مثل النباتات الطافية والطحالب وبعض البكتيريا التي يمكنها القيام بعملية التمثيل الضوئي.

كما يوجد نوع من البكتيريا يدعى "بروكلوروكوكس" (Prochlorococcus)، يعتبر أصغر كائن حي ضوئي على الأرض، ينتج وحده ما يصل إلى 20% من الأكسجين في محيطنا الحيوي بأكمله، وهذه نسبة مئوية أعلى مما تنتجه جميع الغابات الاستوائية المطيرة على الأرض مجتمعة، ورغم ذلك من الصعب حساب النسبة المئوية الدقيقة للأكسجين المنتج في المحيط لأن الكميات تتغير باستمرار.

وقد يتمكن العلماء من استخدام صور الأقمار الصناعية لتقدير معدل التمثيل الضوئي الذي يحدث في المحيط، ورغم ذلك لا يمكن لصور الأقمار الصناعية أن تروي القصة كاملة، حيث تتغير كمية العوالق بشكل موسمي استجابة للتغيرات في كمية المغذيات في الماء ودرجة الحرارة وعوامل أخرى، إضافة إلى أن بعض الدراسات أظهرت أن كمية الأكسجين في مواقع محددة تختلف باختلاف الوقت من اليوم والمد والجزر.


هل تنتج المحيطات ما يكفي البشرية من الأكسجين؟

يقول ميشا كيتشل المحرر في موقع "ذا كونفرسيشن" (The Conversation) من المسلم به أن المحيطات مسؤولة عن حوالي 50% من الأكسجين المنتج على الكوكب، لكنه ليس مسؤولا عن 50% من الهواء الذي نتنفسه نحن البشر.

حيث تستهلك الميكروبات والحيوانات البحرية معظم الأكسجين الذي ينتجه المحيط مباشرة، كما يُستهلك الأكسجين أيضا عندما تتحلل النباتات والحيوانات الميتة في المحيط. في الواقع، يقترب صافي إنتاج الأكسجين في المحيط من الصفر, بمعنى اخر إن المحيطات تنتج ما يلزمها من الأكسجين لبقاء الحياة فيها.

يهرب جزء ضئيل من الإنتاج الأولي للأكسجين (حوالي 0.1%)، ويتم تخزينه ككربون عضوي في الرواسب البحرية، وهي عملية يشار إليها باسم "مضخة الكربون البيولوجية"، وقد يتحول هذا الكربون العضوي في النهاية إلى وقود أحفوري مثل الفحم والنفط والغاز.

ويمكن لاحقا إطلاق الكمية الضئيلة من الأكسجين -التي تم توليدها لإنتاج مخزن الكربون هذا- في الغلاف الجوي، وتحدث عملية مماثلة على الأرض أيضا، مع تخزين بعض الكربون في التربة.

لذلك، فإن الأكسجين الذي نتنفسه حاليا لا يأتي من الإنتاج المعاصر، سواء من الأرض أو المحيط الحيوي، ولكنه يأتي من التراكم البطيء للأكسجين في الغلاف الجوي مدعوما بدفن المواد العضوية على مدى فترات زمنية طويلة جدا تصل لمئات الملايين من السنين، حيث إن دفن الكربون المستمر ضروري للحفاظ على ضخ ما يكفي من الأكسجين للغلاف الجوي.



ما هو مستقبل الأكسجين في الغلاف الجوي؟

إن اكثر ما يتم استهلاكه من الأكسجين الموجود في الغلاف الجوي لا يتم استهلاكه في تنفس الكائنات الحية انما من الحرق الهائل لملايين الاطنان من الوقود الاحفوري بشكل يومي، وبالتالي عكس النمط الذي قاد إلى ارتفاع الأكسجين في الغلاف الجوي في المقام الأول، حيث إن مستوى الأكسجين في الغلاف الجوي يقل كلما ارتفع تركيز ثاني أكسيد الكربون.

لكن -وفقا لموقع كونفرسيشن- فإنه في وقت مبكر من عام 1970 أدرك عالم الكيمياء الجيولوجية البارز والي إس بروكر أنه إذا قمنا بحرق جميع احتياطيات الوقود الأحفوري المعروفة فسوف نستخدم أقل من 3% من خزان الأكسجين لدينا.

كما أنه إذا أردنا قطع أو حرق جميع الغابات وأكسدة كل الكربون العضوي المخزن في الغطاء النباتي والتربة العلوية في جميع أنحاء العالم فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى استنفاد بسيط في أكسجين الغلاف الجوي.

وإذا توقفت عملية التمثيل الضوئي في المحيط وعلى اليابسة عن إنتاج الأكسجين فإنه يمكننا الاستمرار في التنفس لآلاف السنين على الرغم من المشاكل الأخرى التي سنواجهها بالتأكيد.

وسيكون الانخفاض المتوقع في الأكسجين الجوي حتى في أسوأ السيناريوهات مع حرق الوقود الأحفوري على نطاق واسع وإزالة الغابات ضئيلا جدا بالنسبة إلى الخزان الجوي الكبير.

وتظهر النماذج أن محتوى الأكسجين في الغلاف الجوي سيشهد تغيرا بسيطا على مدار الـ100 ألف عام القادمة استجابة لاستخدام الوقود الأحفوري.

لذلك، في حين أن هناك العديد من الأشياء التي يجب أن نقلق بشأنها في مستقبل مناخنا فإن توافر الأكسجين للكائنات الحية التي تتنفس الهواء -بمن في ذلك البشر- ليس من بينها، إلا أن هذا الأمر لا ينطبق على الأكسجين في المحيطات.


لماذا ينخفض إذا الأكسجين في المحيطات؟

يحوي المحيط على أقل من 1% من الأكسجين المخزن في الغلاف الجوي، لذلك فإن خزان الأكسجين في المحيط معرض للخطر، خصوصا في المناطق ذات الأكسجين المنخفض جدا أو الغائب تماما، والتي يشار إليها باسم مناطق الحد الأدنى من الأكسجين، والتي تتوسع مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب.

وقد فقدت المحيطات المفتوحة بالفعل ما بين 0.5 إلى 3.3% من مخزونها من الأكسجين في أعلى ألف متر بين عامي 1970 و2010، وزاد حجم مناطق الحد الأدنى من الأكسجين بنسبة 3 إلى 8%.

ويعود فقدان الأكسجين هذا في المقام الأول إلى زيادة طبقات المحيط، حيث يكون اختلاط طبقات مياه سطح المحيط الأكثر دفئا والأخف وزنا أقل كفاءة مع طبقات المحيط الأعمق والأكثر كثافة، مما يحد من تغلغل الأكسجين، إضافة إلى زيادة استهلاك الأكسجين من قبل الكائنات الحية بالمحيط مع ارتفاع درجة حرارته.

وقد وجدت دراسة نشرت في مجلة ساينس (Science) الأميركية عام 2018 أن مناطق الحد الأدنى من الأكسجين في المحيط المفتوح قد توسعت بعدة ملايين من الكيلومترات المربعة، وأن مئات المواقع الساحلية لديها الآن تركيزات أكسجين منخفضة بما يكفي للحد من أعداد الحيوانات وتغيير دورة المغذيات الهامة، ومن المتوقع أن ينمو حجم المناطق منخفضة الأكسجين بنحو 7% بحلول عام 2100 في ظل سيناريو ارتفاع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.


ويؤثر نزع الأكسجين (Deoxygenation) من هذا النوع على التنوع البيولوجي والشبكات الغذائية، كما يؤثر سلبا على الأمن الغذائي وسبل عيش الأشخاص الذين يعتمدون عليه.

ويقول ميشا كيتشل إنه في حين أنه من الخطأ القول إن المحيط يوفر 50% من الأكسجين الذي نتنفسه فمن الصحيح القول إنه على مدار المقاييس الزمنية الجيولوجية يوفر المحيط جزءا كبيرا من الأكسجين الذي نتنفسه اليوم، كما أنه من الصحيح تماما أن نقول إن المحيط مسؤول عن 50% من الإنتاج الأولي على الأرض، مما يحافظ على نظامنا الغذائي.

وبينما لا ينبغي أن نقلق بشأن إمداد البشر بالأكسجين في المستقبل ليتنفسوا يجب أن نقلق بشأن زيادة تهجير الأسماك من مناطق المحيط المتسعة التي ينضب فيها الأكسجين.

المصدر : ذا كونفرسيشن + مواقع إلكترونية + نوا


تعليقات