كيف حكمت فرنسا أفريقيا في الخفاء لأكثر من 50 سنة؟ وكيف سرقت ثروات أفريقيا؟





مقدمة 

نستطيع أن نرى بكل وضوح من خلال ما يحدث في أفريقيا الوسطى وصراع السلطة بين بين الرئيس تواديرا المدعوم من روسيا والمعارضة المدعومة من فرنسا الكثير عن الطريقة التي تنظر بها القوى الكبرى إلى أفريقيا بوصفها ملعبا للنفوذ والصراعات بالوكالة.


بل وسرقة الموارد والاستيلاء على خيرات الشعوب. ربما يكون زمان الاستعمار انتهي رسميا، لكن قواه لا تزال تتحكَّم في أفريقيا من خلال الإمبراطوريات الاقتصادية والشركات الأمنية، وحتى الأنظمة الديكتاتورية التي لا تتردَّد في استدعاء القوى الأجنبية لضمان البقاء في السلطة. هي إذن قصة قديمة لكنها تتجدَّد كل يوم، يستمر معها الرجل الأبيض في الاستيلاء ونهب خيرات أفريقيا، في أكبر سرقة علنية عرفها التاريخ.


في الوقت الذي انشغل فيه العالم بالربيع العربي، حيث كان العالم يموج بالصخب بعد رحيل زين العابدين بن علي وحسني مبارك، وبدأ للتو القصف الدولي على ليبيا بهدف الإطاحة بالقذافي، بينما تتلاحق التطورات سريعا في اليمن وسوريا. في خضم هذا الصخب، وتحديداً في إبريل/نيسان 2011، كانت الطائرات الفرنسية تُحلِّق بكثافة في سماء أبيدجان، عاصمة ساحل العاج، وترسل صواريخها لتستهدف مستودعات الأسلحة حول المدينة مُحوِّلة سماء البلاد الهادئة إلى عرض مرعب للألعاب النارية، وسرعان ما تحوَّلت الطائرات، بعد السيطرة على مطار أبيدجان، إلى القصر الرئاسي حيث يُقيم الرئيس "لوران غباغبو"، الذي كان قد لجأ للتو إلى المجلس الدستوري من أجل إلغاء نتائج الانتخابات التي فاز بها منافسه "الحسن واتارا"، الذي يحظى بعلاقات جيدة مع فرنسا، واعتُرِف به رئيسا شرعيا للبلاد. وفي خضم هذه الاشتباكات بين قوات الجيش الموالية لغباغبو والمسلحين الموالين للرئيس الجديد، انقسمت البلاد فعلياً تحت سيطرة حكومتين، قبل أن تتدخَّل فرنسا من جديد بغطاء دولي وتقوم باعتقال "غباغبو"، وإرساله إلى المحاكمة أمام الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب.


لم تكن عملية أبيدجان خارجة عن سياق أطماع فرنسا المستمر في أفريقيا، الذي لم يوقفه بحال النهاية "الرسمية" لعهود الاستعمار بحصول جميع الدول الأفريقية على استقلالها، فعلى مدار العقدين الماضيين قامت فرنسا بتدخُّلات عسكرية نشطة في كلٍّ من جيبوتي ومالي وأفريقيا الوسطى وتشاد، بالإضافة قواتها الموجودة بحكم الواقع في قائمة أخرى من البلدان كالسنغال وبوركينا فاسو والكونغو والجابون وغيرها، الأمر الذي لا يُغيِّر من حقيقة أن لا يحظى بحقه اللائق من التغطيات الإعلامية الغربية، نظرا لأن وسائل الإعلام في الغرب ربما لا تزال تستبطن تلك الرؤية الهيغلية، نسبة إلى الفيلسوف الألماني هيغل، حول أن العبودية هي "خاصية أفريقية ومصير محتوم للأفارقة"، وأن العبيد الأفارقة الذين اقتيدوا قسرا إلى الغرب لم يكونوا ليصبحوا أفضل حالا إذا ظلَّوا في بلادهم، تلك الصورة النمطية حول الحكم والسياسة والمجتمع في أفريقيا التي لا يزال العالم أسيرا لها إلى الآن.




شبكات فرانس – أفريك

"إن الاستبداد والفساد المستشري ليسا لازمين للثقافة الأفريقية كما يبدو. في الواقع فإن المجتمعات عديمة الدولة مثل الصومال والإيبو والتيف -قبائل في نيجيريا- تميَّزت دوما برفض أي سلطة مركزية، لذا لم يكن من الممكن أن يظهر بينهم حكام مستبدون، بدلا من ذلك فقد قامت هذه الأنظمة على القانون العرفي والعدالة بوصفها مبادئ حاكمة".


(اللورد بيتر باور، اقتصادي بريطاني شهير، في كتابه "بين الواقع والبلاغة: دراسة في اقتصادات التنمية")



ومع سيطرة هذا المنظور "الهيغلي" في التعامل مع أفريقيا، فإن الحجة السابقة، ومثيلاتها، مما خطَّه بيتر باور لم تكن لتلقى على الأرجح نصيبها من الانتشار في مواجهة السرديات المُهيمنة في النظر إلى القارة، ليس فقط من قِبَل العامة ولكن أيضاً من قِبَل كبار القادة والسياسيين حول العالم وفي مقدمتهم حتى رؤساء الدول "العظمى" حول العالم الذين لا يُدركون ربما أن غانا كانت يوماً ما أكثر تطوُّرا معماريا من فيينا أو أمستردام قبل أن يُدمِّرها البريطانيون، وأن مدينة "تمبكتو" في مالي كانت يوماً ما أكبر خمس مرات من لندن، وأن إمبراطور مالي "مانسا موسى" يذكره المؤرخون إلى اليوم بوصفه أغنى رجل في التاريخ. كما أن معظمهم لم يسمع يوما بنُظم السلطة في مشيخات مثل "فانتسي" و"موسي" و"شونا" و"خوزا"، حيث لم يكن من الممكن لرئيس أن يُملي سياسة أو قانوناً مستقلا دون موافقة من مجالس الشيوخ والعشائر، أو حتى بملوك "الزولو" و"الشاكا" الأقوياء، الذين على الرغم من قوتهم لم يكونوا يملكون سوى تفويض الكثير من سلطاتهم.


 


كان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب يجهل هذا قبل أن يُصرِّح، بعنصريته المعتادة، أن الأفارقة "بحاجة إلى الإستعمار لمئة عام أخرى"، وأنهم لا يعرفون شيئاً عن الحكم والقيادة بسبب "كسلهم وغبائهم وهوسهم بالطعام والجنس والعنف". 


 فهناك الكثير والكثير من الوثائق في مبنى مخابراته المركزية في لانجلي يُمكنها أن تخبره كيف أسهمت بلاده في رسم تلك الصورة التي يظنها اليوم عن أفريقيا، أما رؤوساء أوروبا فربما تكفيهم زيارة قصيرة إلى فرنسا، حيث يمكنهم قضاء بعض الوقت مع مَن تبقوا على قيد الحياة من خلية الظل التي كانت حتى وقت قريب -وربما لا تزال إلى الآن بأساليب مختلفة- تُدير مصالح باريس في أفريقيا.


 


تُعرف هذه الخلية إعلاميا باسم "فرانس أفريك"، بدأت عملها مع تأسيس الجمهورية الخامسة في فرنسا، ووصول "شارل ديغول" إلى السلطة عام 1958، حيث منح ديغول اتفاقا لـ 14 مستعمرة فرنسية سابقة في أفريقيا تحصل بموجبه على استقلالها في خلال عامين، في مقابل اتفاق أمني مع فرنسا، ليتضح فيما بعد أنه يشمل بنودا غير مُعلَنة، أخطرها كان وضع نسبة 85% من مدخولات هذه الدول تحت رقابة البنك المركزي الفرنسي، باعتباره نوعاً من المقابل للبنية التحتية التي ادَّعى الاستعمار تشييدها، وقد جلبت فرنسا إلى خزائنها بموجب هذا الاتفاق قرابة 500 مليار دولار عاما بعد الآخر.



وبموجب الإتفاق حصلت فرنسا أيضاً على الحقوق الحصرية في الحصول على أي مواد خام تُكتَشف في أراضي مستعمراتها السابقة، ومنح الشركات الفرنسية أولوية في أي أنشطة اقتصادية في هذه البلاد، في حين احتكرت باريس وحدها عقود التدريب العسكري وحقوق الأنشطة الأمنية في هذه البلدان التي أُجبرت، بموجب الاتفاق ذاته، على التحالف مع فرنسا في حال خوضها لأي حرب.


 


أعلنت هذه الشروط وغيرها في منتصف التسعينيات بعد الفضيحة الشهيرة التي عُرفت آنذاك باسم قضية "إلف"، نسبة إلى شركة البترول الوطنية الفرنسية "إلف آكتين" المعروفة بـ "توتال" حاليا، التي عملت بمثابة ذراع استخباراتي لفرنسا في مستعمراتها السابقة، تحت قيادة وزير المحروقات الفرنسي السابق "بيير فيوما"، وفق الخطة التي هندسها أمين عام الإليزيه للشؤون الأفريقية، ورجل فرنسا الأول في أفريقيا، "جاك فوكار"، بأوامر مباشرة من الرئيس الفرنسي "شارل ديجول" شخصيا.


وكان فوكار في فرنسا آنذاك الرجل الوحيد الذي يُمكنه لقاء ديجول كل مساء، وكانت وظيفته تتلخَّص ببساطة في هندسة أنظمة الحكم في دول أفريقيا، وتثبيت الحكام أو الإطاحة بهم بما يتلاءم مع مصالح فرنسا. وكانت البداية في غينيا، حيث يحكم الرئيس "أحمد سيكوتوري" الذي قرَّر الاستقلال من جانب واحد عن فرنسا، وسرعان ما قرَّرت باريس معاقبته عبر حرمانه من "امتيازاتها الاستعمارية".


 


على الفور، غادر ثلاثة آلاف فرنسي غينيا، حاملين أموالهم وأملاكهم ومُدمِّرين لكل ما لا يستطيعون حمله، كالمدارس وحضانات الأطفال، والمباني الإدارية والسيارات والمعدات، بل إنهم حرقوا مخازن الغذاء وقتلوا الماشية والأبقار، ولم تكتفِ فرنسا بذلك، بل عمدت إلى تدمير العُملة الغينية الجديدة من خلال إغراق السوق بالعُملات المُزوَّرة التي طُبعت في فرنسا، وقامت بتسلَّيح مُعارضين غينيين من أجل الإطاحة بـ "سيكوتوري". أما في الكاميرون فقد فعلت فرنسا النقيض تماما، ودبَّرت عملية اغتيال المعارض الكاميروني الأبرز "فليكس مونيه"، في فيينا، بجرعة من التاليوم شديد السُّمية، من أجل تثبيت حكم الرئيس "أحجو" الذي كان يُعرف آنذاك على أنه "دُمية فرنسا".

 



وفي الجابون، تلك الدولة الغنية بالنفط التي حصلت شركة "إلف" على 70% من عائداتها النفطية بموجب اتفاق مع الحكومة، أعادت فرنسا حليفها الرئيس "ليون أمبا" إلى موقعه، بعد الإنقلاب العسكري عليه من قِبَل صغار الضباط في الجيش، وسرعان ما دبَّرت وصول ألبير برنارد، المعروف بـ "عمر بونغو"، إلى السلطة خلفا لليون، من خلال تعيينه نائبا للرئيس عبر تعديل دستوري أُقِرَّ في سفارة الجابون في فرنسا. ويتولَّى اليوم "علي بونغو"، نجل "عمر بونغو"، السلطة في الجابون بتواطؤ فرنسي، وبموجب انتخابات صورية اعترفت المخابرات الفرنسية بأنها مُزوَّرة.


 


على النقيض أيضاً حاولت فرنسا إسقاط نظام "ماثيو كريكو" الشيوعي في بنين، مُستغِلَّةً في ذلك فريقاً من المرتزقة بقيادة "كلب الحرب" الشهير "بوب دينار"، ولكن أُحبِطت المحاولة بواسطة الجيش البنيني، في حين أنها ثبَّتت نظاماً شيوعيا آخر هو نظام "دينيس ساسو" في الكونغو برازافيل، بسبب موافقته على تأمين حصة شركة "إلف" في النفط الكنغولي، ورغم تأكيد الرئيس الفرنسي السابق "فرانسوا هولاند" والرئيس الحالي "إيمانويل ماكرون" مراراً نهاية عصر شبكات "فرانس أفريك"، وأن فرنسا بدَّلت سياستها الاستعمارية في أفريقيا، فإن الواقع يُخبرنا أن لعبة النفوذ لا تزال تجري على قدم وساق في القارة السمراء من الشرق إلى الغرب، وأنها تأخذ أشكالاً جديدة، وتستقطب في كل يوم لاعبين جُدد إلى الرقعة.


إحتلال الشركات

"تستغرق الدورة بين اكتشاف النفط في منطقة ما وبداية إنتاجه نحو ثماني سنوات، والسماح بحدوث تغيرات في السلطة كل عام يضر بمصالح الطاقة الخاصة بنا، لذا فإننا نبحث دوما عن الاستقرار".


(بيير فيوما، وزير المحروقات الفرنسي الأسبق)


تعتبر فرنسا هي النموذج الأسوأ والأكثر صراحة في حماية مصالحها على حساب الشعوب الأفريقية، إلا أن دولا أخرى مثل بريطانيا وبلجيكا وألمانيا والبرتغال، ومن بعدهم الولايات المتحدة وروسيا والصين، لم تكن أقل شراسة، ففي الوقت الذي رفعت فيه جميعها شعارات حول أحقية الأفارقة في التمتُّع بحقوق الإنسان والديمقراطية وعائدات التنمية، أُسوة بمواطني دولهم، دول العالم الأول، فإنها جميعا ظلَّت تستبطن هذا التصوُّر الذي يرى دوما أن جميع الأمم متساوية، ولكن بعضها يبقى "أقل مساواة" من الآخرين، كما يقول "جورج أورويل".

 


ومع تغير الزمن وذهاب زمن التدخُّلات المباشرة وانقلابات وضح النهار، فإن التلاعب الغربي بمستقبل الأفارقة صار يتخذ أشكالاً أقل مباشرة ولكنها ربما أكثر ضراوة، غير أن هذا لم يجعل الشباب الأفريقي غافلا عن إدراك حقيقة أن بلاده لا تزال مُستعمَرة بصور مختلفة، حيث جاءت تظاهرات طلاب الجامعات في جنوب أفريقيا تحت شعار "أسقِطوا رودس" لتُعبِّر دوماً عن هذه الحقيقة: لا تزال أفريقيا رهينة القوى الأجنبية، حتى وإن كان ذلك في جنوب أفريقيا التي قطعت شوطاً طويلاً من أجل تحرير إرادتها. وقد اختار الشباب النيجيري المُحتج ضد البطالة وقلة فرص العمل التظاهر عام 2016 أمام مقر شركة "شيفرون" الأميركية، في مشهد لا يخلو من رمزية تاريخية واضحة.


 


وبالنظر لشركات النفط الأجنبية في أفريقيا نجد لها تاريخاً طويلا في دعم الحكام المُستبدِّين حفاظا على مصالحها، على حساب حياة الشعوب الأفريقية، ففي منتصف التسعينيات في دلتا النيجر، قدَّمت شركة "شل" الأموال لصالح الديكتاتورية العسكرية في نيجيريا من أجل قمع تظاهرات شعوب المنطقة ضد أنشطة الشركة المُتسبِّبة في تدمير البيئة والقضاء على مواردها الطبيعية، دون أي استفادة مُقابلة لهذه الشعوب من عائدات ثرواتها، بل أتضح فيما بعد أن "شل" قدَّمت رشاوى للمُدَّعين العامين والشهود من الأجل الحكم بإعدام المناضل النيجيري "كين سرو"، وقادة الاحتجاجات في المنطقة الغنية بالنفط، وقُدِّر مجموع الأموال التي دفعتها الشركة من أجل هذه الأنشطة بنحو 383 مليون دولار. وبالرجوع في التاريخ قليلا، فإن شركة "إلف" الفرنسية كان لها السبق في هذا المسار، حين وظَّفت عوائد النفط الجابوني لدعم الحرب الأهلية في "بيافرا"، التي راح ضحيتها أكثر من مليون شخص.


 


ولكن شركات النفط لم تكن المُمثِّل الأوحد لقوى الاستعمار الجديد في أفريقيا، فحيثما وجدت الشركات الأجنبية ومصالحها، ترافقها الأنظمة الديكتاتورية والقمع المُتوسع. وتبقى الكارثة الأكبر التي تلتهم أفريقيا في الوقت الراهن، وتستنزف مليارات الدولارات من مواردها الاقتصادية، هي تلك الإمبراطورية المتنامية للشركات الأمنية الخاصة، التي تنشر عشرات الآلاف من الجنود المرتزقة الذين تكمن مهمتهم في حماية مصالح الشركات الدولية والأنظمة الداعمة لها، وتتوسَّع توسُّعا أخطبوطيا إلى درجة أنها توشك على التهام أفريقيا بأكملها.


يأتي كل ذلك في الوقت الذي تتسارع فيه الأنظمة الديكتاتورية، التي لا تحظى بالغطاء الغربي الآمن، نحو توطيد علاقاتها مع القوى الجديدة الوافدة إلى القارة، وفي مقدمتهم الصين، ويُمثِّل "روبرت موجابي"، رئيس زيمبابوي الراحل، أفضل الأمثلة على هذا التوجُّه، عندما استضافه الرئيس الصيني "تشي جين بينغ" في القصر الرئاسي، نهاية عام 2015، ومنحه جائزة "كونفوشيوس للسلام"، ووصفت السفارة الصينية في زيمبابوي البلدين بأنهما "أصدقاء في السراء والضراء".


 


وعندما رفض صندوق النقد الدولي تمويل نظام "دي سانتوس" في أنجولا، سرعان ما توجه إلى بكين أيضاً.


 ويبدو هذا التوجُّه مُميِّزا للسياسة الصينية منذ صعود تشي إلى السلطة، حيث حظي النظام في غينيا على سبيل المثال بعقود اقتصادية مع الصين بقيمة سبعة مليارات دولار، بعد شهر واحد من وصوله إلى السلطة مُرتكِبا مذابح دامية. وفي الوقت الذي تحوَّل فيه الرئيس السوداني السابق "عمر البشير" إلى فريسة مطاردة من القوى الغربية، فإن الصين سارعت إلى بناء قصر رئاسي جديد له في مطلع عام 2015.


 


لا يمكننا إغفال الحديث عن دول الخليج وإيران ضمن قائمة اللاعبين الجدد في أفريقيا، خصوصاً في السودان، بجانب منطقة القرن الأفريقي في الصومال وإريتريا، فقد كثَّفت كلٌّ من السعودية والإمارات وجودهما العسكري هناك بالتزامن مع حرب اليمن، ويبدو أن دولة الإمارات العربية المتحدة شقَّت طريقها نحو الانضمام إلى نادي الكبار، بعد أن دشَّنت عمليات بناء أول قاعدة عسكرية لها في إريتريا على البحر الأحمر (أشارت تقارير حديثة إلى قيام الإمارات بتفكيك القاعدة مؤخرا)، وهو ما يعني بالضرورة تدفُّق الأموال الخليجية إلى نظام "أسياس أفورقي"، المسيطر على السلطة في إريتريا منذ حازت البلاد استقلالها عن إثيوبيا.


 


ماذا عن الضوء البرتقالي

"جميع الحيوانات متساوون، ولكن بعضهم أكثر مساواة من بعض".


(جورج أورويل، رواية مزرعة الحيوانات)


يروي "موريس دولوناي"، سفير فرنسا السابق في الجابون، بعض التفاصيل حول طبيعة عمل شبكات "فرانس أفريك". ففي البداية أعطى "شارل ديغول" رجاله في أفريقيا ما تعارفوا على تسميته حينها بـ "الضوء البرتقالي"، وهو يعني رسالة ضمنية من ديجول مفادها: "افعلوا ما ترونه مناسبا، إذا نجحتم فسوف أدعمكم، وإذا فشلتم فأنا لا أعرف شيئا عنكم". 


يبدو أن درس "الضوء البرتقالي" هو أهم ما يجب أن يتعلَّمه الشباب الأفريقي عن تاريخهم القريب، ففي الوقت الذي تمضي فيه أفريقيا الشابة في طريقها نحو الحرية، فإنها لن تعدم أن تسمع تلك الدعوات التي تشيد بحق الأفارقة في الحرية والتنمية والحكم التمثيلي والفرص العادلة. 


لكن كما يُعلِّمنا التاريخ، فإن بعض الشعوب تبقى أكثر مساواة من بعض، والضوء البرتقالي حاضر دوماً في الخلفية من أجل حماية المصالح العالمية، وآلات القمع جاهزة ومُعدَّة، والتجارب تُعلِّمنا أن الشعوب الطامحة ليس لها حلفاء إلا أنفسها.


 


حين تدخَّلت فرنسا للإطاحة بديكتاتور أبيدجان لوران غباغبو مطلع العقد السابق، وتثبيت الرئيس الجديد المنتخب الحسن واتارا، الذي يحكم البلاد إلى اليوم، فإنها لم تكن تضع نصب عينيها سوى مصالحها، فلا تزال باريس إلى اليوم لا تشعر بالكثير من الارتياح مع وجود رئيس مُعادٍ لها في إحدى مستعمراتها السابقة، وهي التي تورَّطت سلفا في اغتيال أو الإطاحة بـ 22 رئيسا أو رئيس وزراء أفريقي لضمان مصالحها.


 وبالرغم من أن فرنسا اليوم ليست فرنسا الأمس، وشبكات فرانس أفريك، أيًّا كان اسمها اليوم، هي في أفضل الأحوال نسخة باهتة من عصرها الذهبي، فإن حظ أفريقيا مع الغرب لا يبدو أفضل حالا، في ظل عالم كان يحكم القوة الأكبر فيه، الولايات المتحدة، حتى وقت قريب رجل يظن أن أكثر ما تستحقه أفريقيا هو قرن جديد من الاستعمار، بينما تُصِرُّ أفريقيا الشابة على المُضي قُدما في طريقها، منفردة، كما اعتادت دائما.

 

المصدر : ميدان الجزيرة نت 


تعليقات