التجربة التركية والمشروع الإسلامي

 

الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في إحدى المؤتمرات (a7ssan)



أختلف الإسلاميون لفترة طويلة على نموذج التجربة التركية كطريقة للحكم، خاصة بعد النجاح الذي حققته التجربة التركية بقيادة رجب طيب اردوغان

الذي أثبت أنه شخص استثنائي ليس في تركيا وحدها وانما في هذه الأمة، فأغلب الدول الإسلامية تقع بين مطرقتي الإستبداد من جهة وعداء السلطة من جهة أخرى، فبينما رآها البعض النموذج الأمثل الذي يسعى جاهدا لتطبيقه، دون أن تكون له عليها شائبة تذكر، اعتبرها آخرون محاولة جديدة لاحتواء حركة الإسلام السياسي الصاعد، بينما تحفظ عليها البعض الآخر فلم ينكر إيجابياتها، وإن كان لم يقصر وهو يعدد مآخذه عليها. 


يأتي ذلك في الوقت الذي تتطلع فيه شرائح عديدة من الإسلاميين للبحث عن مخرج من المأزق التاريخي بين الحركة الإسلامية والسلطة، الذي تسوده مظاهر: الإقصاء، والمطاردة، وغياب الثقة، وحملات التشويه، يرجع تباين الرؤى بين الحركات الإسلامية بالأساس إلى تباين المدارس الفكرية التي ينتمي إليها الإسلاميون، وهم يتوزعون إلى ثلاث مدارس فكرية كبرى: مدرسة الإخوان المسلمين، وأصحاب المنهج السلفي، والتيار الأيديولوجي الشمولي الذي ينشد المفاصلة مع الأنظمة الحاكمة، سياسياً كحال حزب التحرير أو عسكرياً كالحركات الجهادية.


تجربة مصرية باءت بالفشل


في مصر وعقب الربيع العربي لم يتفاجئ الكثيرون ممن يتابعون المشهد السياسي وصول أكبر تيار ديني إلى سدة الحكم ، وأعلن الإخوان المسلمون وقتها أن التجربة التركية هى أنسب نموذج للحالة المصرية، لكن ما حدث بعدها عكس مدى تمكن دولة العسكر من الدولة وسيطرتهم عليها، الأمر الذي عكس تواضع فكر الإخوان المسلمين سياسياً فأصبحوا لقمة سائغة للعسكر، وعلى الرغم من نداءات الأصوات الشابة من داخل الجماعة التي تنبأت بما سيحدث، وحذرت مراراً من الخطوات الخاطئة التى تخطوها الجماعة ، إلا أن الرئيس الراحل محمد مرسي بدا وكأنه لا يرى المشهد كاملاً، حتى أنه أخفق في خطابه الأخير في قلب الطاولة على العسكر بإعلان إنتخابات مبكرة وتفويت الفرصة عليهم .

كانت السذاجة السياسية والتنازلات الكبيرة من البداية من أجل مقاعد البرلمان والانتخابات الرئاسية هي عنوان فترة حكم الإخوان المسلمين والتي دفع الإخوان ومصر معها الثمن غاليا بتمكين العسكر وضياع الإختيار من يد الشعب.

وعلى النقيض من الفشل المصري لم يصتدم أردوغان بالجيش مثلما فعل مرسي الذي أكد في أكثر من مناسبة بأن الجيش المصري رجاله بخير، بينما أتخذ أردوغان خطوات أخرى زادت من تحييد الجيش والحد من سلطاته وهو ما لم يفعله مرسي إلا متأخراً فدفع ثمنه غاليا، وكان الأجدر أن يلقي الكرة في ملعب الجماهير ويستغل الصحوة وحالة الغليان في الشارع بأن العسكر هم أعداء الديمقراطية وأنهم عقبة في طريقها وحينها ربما قد اختلفت الأمور كثيراً، لكن مرسي قد علل ذلك لاحقاً أنه كان لا يرغب أن يحدث انقساما داخل الجيش ، ولكن الاسوء قد حدث فيما بعد.

لكن ومع ذلك يرى البعض أن التجربة التركية لم تبدأ في مصر حتى يتم الحكم عليها بالفشل، فمرسي لم يمكث في الحكم سوى عام، كذلك حالة الغضب من الإخوان المسلمين كانت في قمتها، الأمر الذي دفع السياسيين الانتقام من الحركة الإسلامية كلها ووضعها في قالب واحد ، والحكم على الحركة الإسلامية بالفشل السياسي وعدم صلاحيته للحكم.

التجربة القطرية

وعلى مسافة قريبة مما حدث في مصر شهدت قطر تحولا في دورها الإقليمي في المنطقة خاصة الدور الذي لعبته منصتها الإعلامية الجزيرة ودورها في الأحداث التي جرت في المنطقة ونبوغ نجمها عقب الربيع العربي، ولكن ومع ذلك لا يمكن الحكم بأن النموذج القطري نموذجاً إسلاميا رغم ما يحمله من دفاعه عن قضايا إسلامية، فلا تزال قطر دولة صغيرة ولا تمتلك إرادة حرية القرار السياسي الذي تتمتع به تركيا ، كما انها تربطها علاقات يشوبها الكثير من التساؤلات مع الولايات المتحدة الأمريكية، خلاف النموذج التركي ( محل خلاف كونه إسلامي أم لا) الذي يسعى بكل الطرق لاستقلال قراره السياسي ويسعى بكل الطرق لفرض وجوده على الساحة الأوروبية والشرق الأوسط.

فالوقوف بجانب قضايا الأمة حتماً لا يبرر أن امرر الأخطاء السياسية التى يفعلها النظام السياسي في قطر أو أي من كان، ولو أردنا للتجربة الإسلامية النجاح لابد أن تواجه مشاكلها أولا دون خوف أو تجمل.

نهاية المشروع العلماني في تركيا


وفي قراءته للتجربة التركية، يشرح الشيخ راشد الغنوشي -زعيم حركة (النهضة) التونسية- ما حدث بأنه "ثورة بيضاء ضد منتظم سياسي ميت أصلا، فجاءت صناديق الاقتراع لتعلن عن دفنه، إنه من الناحية الرمزية إعلان كذلك عن إفلاس مشروع علمنة تركيا وتغريبها، وبداية النهاية لذلك المشروع".

وفي إطار الجدل حول إسلامية وعلمانية التجربة، يتابع الغنوشي في قراءته التي بعنوان: "العدالة التركي.. تجاوز أم تطور؟" مؤكدا أنها "قاعدة إسلامية" وعت بيقين أن التمادي بنفس السياسات والوجوه "ليس من شأنه غير استمرار اشتباك غير قابل للتسوية، قد غدا معوقا لتحقيق المشروع الإسلامي"، فلا مناص من التغيير في الخطاب والوجوه والتكتيكات "فكان العدالة والتنمية"، "ولو أننا تأملنا في جملة ما أعلنه حتى الآن حزب العدالة والتنمية من سياسات" -يتابع الغنوشي- "لوجدناه امتدادا متطورا لتراث الحركة الإسلامية التركية، مع مرونة أكبر في التنزيل، وحرص أكبر على ترتيب الأوليات بطريقة عقلانية ذكية"، خاصة أنه لم يصدر عن جماعة العدالة والتنمية تصريحات مما يحمل على الظن أن الأمر يتعلق بتحولات فكرية.

وحيث النقد، يوجه للعدالة والتنمية باعتبار ما قدم من تنازلات، يرد الغنوشي أن الإسلاميين الأتراك ليسوا هم وحدهم "من فرض عليهم صياغة أيديولوجيتهم بما يتواءم مع السياج المفروض عليهم، بل إن جملة التيار الإسلامي في العالم ولاسيما في البلاد التي منيت بتحديث فوقي صارم، مثل تونس والجزائر ومصر، قد اضطرت للإقدام على نوع من تلك المواءمة"؛ فقد تخلى الكثير منهم عن مسمى الإسلام في الراية التي يرفعونها للانسجام مع قانون الأحزاب، مع أنه لا أحد قد صرح بأنه قد تنازل عن شي‏ء من إسلامه.

وعلى عكس غيره من المفكرين الإسلاميين، لا يرى الغنوشي في سعي القادة الأتراك للالتحاق بالاتحاد الأوروبي قدحا، بل يعتبر هذا الحرص "نوعا من تجريد الخصم من سلاحه، وتجريد ظهيره الخارجي من أوهامه، وعرض صداقة بديلة عنه"، مشيرا إلى أن عرض الإسلاميين بالذات لهذه الصداقة أو الشراكة ترفع الغطاء عن المتطرفين العلمانيين والاستئصاليين، لا في تركيا فحسب، بل في عدد كبير من بلاد العالم الإسلامي، معتقدا أنه لا يعيب الشعب التركي أن يدخل أوروبا مسلما، بقيادة إسلامية شابة، مدعومة بقوة من شعبها، متصالحة مع تاريخها ومع محيطها العربي والإسلامي.


المراجع :

موقع a7ssan
إسلاميون ( الجزيرة الوثائقية )
موقع بحوث 


تعليقات