بعد كل ما مرت به الأمة من انكسارات ومحن، بدأ الكثير من المسلمين بالارتكان إلى أن العمل قد توقف، بيد أن العدو في أوج قوته، والداخل يسيطر عليه عملاء الغرب، وأن أي محاولة للإصلاح لن تجدي بنتيجة، ذلك بعدما رأوا الإسلاميون
ينهزمون أمام عملاء الغرب معركة بعد أخرى، وبعد الموجة التي تجتاح البلاد الإسلامية بمحاربة أي مظهر إسلامي، حتى بات البعض منا يخشى أن يصرح عن تصرف شرعي ما مخافة أن يناله الاذي.من هنا كان حتما ولزاما أن نبحث عن طريق ، طريق نفرق به بين الحق والباطل ، طريق لا يختلف عليه اثنان موحدان يشهدان إلا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
لماذا يجب علينا ألا نتوقف عن المحاولة؟
لماذا نتوقف أصلا؟ أن اشتداد صلابة أعداء الإسلام لم تكن لتقوى وتصل إلى ما وصلت إليه إلا بتوقفنا نحن المسلمين أولا، ولو راجعنا أسباب هذا التوقف لوجدت أن أسبابه لا تمت إلي الدين بصلة، حيث يرى البعض أننا لا يمكننا أن نصل الى حالة التمكين إلا بامتلاك القوة ، وكيف سيحدث ذلك إذا كنت قد تركت أدواتك التي ستمكنك من ذلك! من هنا كان التوقف جريمة.
إن هذا التوهم الخاطيء يضعف الهمم ويقلل من حجم الجهد المبذول حتى ولو كان قليل، ولو نظرنا نظرة امعان في تاريخنا الحافل لوجدنا أننا لم نكن أكثر قوة أو عتاد من أعداء الإسلام إلا في فترات قصيرة، بل تكاد تجد تاريخ المسلمين قلة تقاتل أمم كافرة، إن منهج الإسلام يرفض أن تتشكل القوة المعنوية من امتلاك القوة المادية، فقطع هذا الإرتباط صاحب الشريعة حتى وإن وجدت الهلكة في ما تذهب إليه، وكأن صاحب الشريعة يخبرنا أذهب إلى الموت ولا تبالي.
أمر آخر إن نظرة الدونية للذات جعل من المسلمين أذلة وهو ما يتنافى مع المنهج السليم، المنهج الذي يقول " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة " بما تستطيع أن تبذل وتقدم لأمتك، ولذلك ليس مطلوباً أبداً أن تفعل المستحيل، بل إن المستحيل سيكون ممكناً إذا فعلت كل ما يمكنك، ذلك لأن الفرق بين المسلم وغير المسلم هو أن المسلم مؤيد من الله.
بهذا المنهج يمكن أن نبدأ من نقطة واضحة لا خلاف فيها أن الممكن يوصل إلى المستحيل تحقيقه فقط إذا بذلت ما تستطيع.
لماذا الإصلاح أولا؟
إن أكثر ما نجح فيه أعداء الإسلام هو تقديم صورة مزيفة لحضارتهم البراقة، حتى ظن كثير من أبناء الإسلام إن ما نحن فيه من تخلف لن يذول إلا بإتباع الغرب أتباع أعمى، "حتى إذا دخلوا حجر ضب " ، فوجدنا أننا للأسف فتنا بهذه الصورة، التي هي في حقيقتها لم تقدم للإنسان ما يريد، ولو تأملنا الغرب من الجانب الإجتماعي لوجدناه يعكس روح خشنة مادية قائمة على المنفعة بلا روح، وهو ما لا يتلائم مع روح الإسلام السمحة التي تجعل من الله رقيب على تصرفات الإنسان وتجعل من الشريعة المهيمنة على كل تصرفات الإنسان.
من أجل هذا كانت مخالفة الغرب في ما يتنافى مع روح الإسلام في العلم والثقافة والأخلاق وجميع التصرفات واجب شرعي، إنما فرضته طبيعة البعث الإسلامي الواجب الأخذ بها لتقوم الأمة بواجبها الذي فرضه الله عليها.
ولما كان الإصلاح واجب شرعي وجب معه التخطيط لهذا الإصلاح، فاعداء الإسلام لا يتوانون عن محاربة الدعوة إلى الله، وكما يخططون لإسقاط الإسلام وجب إتباع منهج لإعادة الإسلام إلى القلوب، ليصبح الإسلام واقع يعيشه الناس في جميع تصرفاتهم وتعاملاتهم، من الطفل الصغير حتى الشيخ الكبير.
من هنا سيجد الإسلام طريقه ليحكم وتعم شمس الحق على الأرض من جديد.
متى ومن أين أبدأ؟
أولاً على كل مسلم أن يجد في نفسه معنى أسمى وهو أن السماوات والأرض خلقت من أجل لا إله إلا الله محمداً رسول الله، من أجل هذا فرضت الفرائض وشرعت الشرائع من أجل استدامة كلمة التوحيد، وعليه فإن إصلاح النفس المسلمة أولا وتصحيح المعتقد هو الشغل الشاغل لكل مسلم، من ثم التبليغ والإعداد لمعركة الحق والباطل، ولا نقصد هنا بإصلاح النفس أن يحمل هذا الدين ملائكة البشر فطبيعة النفس البشرية خطاءة، ولذلك وجب معرفة طبيعة النفس البشرية حتى لا يتولد تصور ما يكون شاقاً وصعب الوصول إليه.
إن الاعتدال والأخذ بالممكن أولى الطرق لبلوغ الغاية، حتى إذا وصل الأمر إلى أعلى رتبه وهو بذل النفس وجدت النفس المسلمة نفسها راضية مقبلة على ذلك بكل سهولة، من هنا كنا عظماء ومن هنا سنعود.
إن الطريق طويل وليس الهدف فيه أن نصل إلى النهاية ولكن الهدف أن نلقى الله ونحن على الطريق.
