المبحث الثاني: دور نظام الوقف في ترسيخ فلسفة الاجتماع الإسلامي والجواب عن أسئلة الفقر والحرمان
ليست دراستنا للوقف دراسة فقهية متخصصة، ولكنها دراسة ذات طابع اجتماعي؛ تحاول الوقوف على دور نظام الوقف في البناء الاجتماعي، وترصد الشبكة الواسعة والمتنوعة من المؤسسات والمبادرات والأنشطة الأهلية التي تمولها الأوقاف لدعم الكيان العام للأمة بما فيه جهاز الدولة ذاتها. فحديثنا عن نظام الوقف من حيث شرعيته الاجتماعية وقدرته على تأسيس مجتمع أهلي فاعل وحيوي يتجاوز مفهوم "المجتمع المدني" المعبر عن تطور تاريخي وحضاري وسياسي خاص بتجربة غربية أحادية، ومحكوم بفلسفة صراعية مدمرة .
وأجمع تعريف لمعنى الوقف عند الذين أجازوه أنه حبس العين، وتسبيل ثمرتها، أو حبس عين للتصدق بمنفعتها ، أو هو منع التصرف في رقبة العين التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، وجعل المنفعة لجهة من جهات الخير ابتداء وانتهاء.
وينطلق أغلب الفقهاء في إثبات مشروعية الوقف من قوله تعالى: (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ) [الحج: 77] وقوله تعالى: (وما تفعلوا من خير فلن تكفروه) [آل عمران: 115] وقوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) [آل عمران: 92] وقوله تعالى: (وأن تصدقوا خير لكم لو كنتم تعلمون) [البقرة: 280] وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) [المائدة: 35].
ونقل عن أبي حامد الغزالي قوله: «وليس الصدقة الجارية إلا الوقف». فالوقف إذا يحكمه ضابطان واحد تصوري وآخر عملي؛ فالضابط التصوري هو أن يكون صدقة يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى بالإنفاق في أوجه البر بالصدقة الجارية ، والضابط العملي هو منع التصرف في العين الموقوفة بالبيع والهبة والرهن، وصرف المنفعة في الجهة المعينة ، وهذه الجهة هي جهات البر والقربات التي قررها الإسلام كالوقف على المساجد، والمصحات ودور العلاج، وعلى التعليم وغير ذلك ، مما يحدده الواقف، في ما يسمى بـ"شروط الواقف"؛ فهو حر مختار يضع قربته في من يشاء وبالطريقة التي يختارها من طرق الانتفاع .
فكتاب الوقف الذي تحرر فيه إرادة الواقف تحريرا كاملا يعد دستور الوقف، وما لا نص فيه تنفذ فيه الأحكام الشرعية الخاصة بالأوقاف ، وذهب الإمام مالك والإمامية من الشيعة إلى أن الوقف يجوز أن يكون مؤقتا، بخلاف أكثر الفقهاء الذين يرون أن الوقف يكون على وجه التأبيد .
وأما عن تاريخ الوقف فيذهب الإمام الشافعي إلى أن أهل الجاهلية لم يحبسوا دارا ولا أرضا، وإنما حبس أهل الإسلام ، وذكر أن أكثر من ثمانين رجلا من الصحابة من الأنصار وقفوا ، ونقل عن جابر قوله: «لم يكن أحد من الصحابة له مقدرة على الوقف إلا وقَّف» ، وذكر الشافعي أن أكثر دور مكة وقف .
وأحكام الوقف ذات طابع اجتهادي تتجلى فيها أصول مذاهب الفقهاء، وعمق تصورهم وسعة مداركهم واطلاعهم، وقوة الملكة التشريعية عندهم .
ولهذا فمن يستعرض النصوص الفقهية الكثيرة في الاقتصاد الإسلامي، والاجتماع الإسلامي، يستوقفه هذا الكم الهائل من الاجتهادات والتوصيات والأحكام في مسألة الوقف والصدقات، وأوجه صرفها على أعمال الخير والبر والنفع العام للمجتمع .
لقد كان الوقف في الاجتماع الإسلامي وعاء تصب فيه خيرات العباد، ومنبعا يفيض بالخيرات على البلاد والعباد، تتحقق به مصالح خاصة ومنافع عامة، وهذه الخيرات هي من أموال المسلمين ومن كسبهم الحلال والطيب. ولما كانت هذه المفاهيم منغرسة في وجدان الناس، وحب الخير متجذر في أعماقهم، حفظ لنا التاريخ المغربي ألوانا شتى من الوقوف قبل أن تدمره مؤسسات الحداثة المستوردة، وأفكار الصراع، وأنانيات الليبرالية. فقد وجدنا في تاريخ الأوقاف المغربية، وقفا لتزويج الفقيرات، وتعريس المحرومين ووقفا للقرض المالي بدون فائدة ، ووقفا لختان الأطفال اليتامى ، ووقفا للأضِراء والزّمنى ، ووقفا للغرباء وعابري السبيل ، ووقفا على العاجزين عن الحج ، ووقفا للمستشفيات ، ومؤسسات وقفية تنهض بتغسيل الأموات .
ولما كانت الوظيفة الأساسية للوقف هي استنهاض قوى المجتمع وكافة أنشطة التضامن العام، فقد شدد الفقهاء في اليد التي تتولى وترعى الموقوف، واشترطوا فيها الأمانة والنماء، حتى لا يكون الوقف مالا سائبا؛ فالإسلام يفترض الولاية الصالحة، التي تحفظ الأعيان، وتوصل الحقوق إلى أصحابها من غير نهب ولا خيانة .
وبرغم الطابع العبادي للوقف، وباعتباره عملا خيريا، تخصص منافعه لجهات البر، فإنّا لم نعدم في تاريخ الأوقاف الإسلامـية من كان يستغلها لمصالحه الخاصة، ويجعلها طريقا لتحصين أمواله من المصادرة . كما عرف الوقف تدخل سلطة الدولة لإخضاعه لوزارة الأوقاف، وتصرفت في مصارفه، الشيء الذي ألحق أضرارا كبيرة بنظام الوقف، في كثير من البلاد الإسلامية، مما أفقده الثقة الاجتماعية به، ومن ثمة تجفيف منابع تجديده، وتقويض دوره ، لصالح المؤسسة الحداثية الدخيلة. وزاد في تكريس تهميش الوقف شيوع اعتقاد خاطئ بأن الأوقاف ليست سوى إدارة حكومية تعنى بشؤون المساجد وموظفيها، ولا صلة لها بالأنشطة الاجتماعية والإنمائية.
2) دور الوقف في تأسيس المجتمع الأهلي الإسلامي :
المجتمع الأهلي الإسلامي هو الاسم الأصيل للمؤسسات والأنشطة التي يزاولها الناس في استقلال عن جهاز الدولة. وهو غير المجتمع المدني، الذي يجري الترويج له من قبل الحداثيين المقلِّدين؛ ذلك أن المجتمع الأهلي الإسلامي تحكمه فلسفة الاجتماع الإسلامي، كما ذكر سلفا، المبنية على التعاون والتآزر والتعاضد، عكس الاجتماع المدني، الذي تؤطره خلفية فلسفية، تؤمن بحتمية الصراع في الحياة بعامة.
وبرغم أن المجتمع الأهلي الإسلامي الذي يساهم الوقف في تمويله ودعمه، يسعى إلى الاستقلال النسبي عن سلطة الدولة، من خلال أنشطة ومبادرات ذاتية، سواء أكانت ربحية أو غير هادفة للربح، فإن فعالية الوقف تتجلى أيضا في تقوية التوازن بين الدولة والمجتمع، بل والإسهام في بناء مجال مشترك بينهما، وليس بناء جبهة يحتمي بها المجتمع، على النحو الذي تؤدي إليه فلسفة المجتمع المدني .
وتتلخص عناصر المجتمع الأهلي الإسلامي التي يدعمها نظام الوقف في المستويات الآتية :
(أ) المؤسسية: وتتسم بالبساطة والبعد عن التعقيد ومحدودية الاهتمامات التنظيمية.
(ب) استقلال الإدارة والتمويل: فإدارة الوقف تعتمد على ما أثبت في نصوص الوقفيات دون تدخل من سلطة إدارية وحكومية. فالوقف بذلك لا ينتمي إلى الجهاز الإداري للدولة إلا في الحالات الاستثنائية التي تنعدم فيها إدارة أهلية. أما الاستقلال المالي فيتجسد في اعتماد التمويل من خلال الاستفادة من ربح الوقفيات المخصصة لذلك. والدولة لا تقدم عادة أية مساعدات تذكر للأوقاف، بل قد لا تعفيها من الضرائب.
(ج) اللامركزية: وتتجلى في عدم وجود إدارة وقفية مركزية موحدة تتولى شؤون الوقف، إلا في الوقت الذي ترسخت فيه الدولة الحداثية التسلطية وعملت على احتكار كل مناشط الاجتماع، والتحكم في كل المبادرات. كما أن لامركزية الوقف، تظهر في تنوع الأنشطة وتعدد أوجه البر التي يتولى الوقف تمويلها، من غير اقتصار على جانب دون آخر، أو على فئة ما دون أخرى، بل عمَّ خيرها كل مناشط حياة الأمة والمجتمع .
من هنا يبرز دور الوقف في تفعيل مؤسسات المجتمع الأهلي الإسلامي، وتمتين علاقات الشبكة الاجتماعية، وحماية العمل الديني، ومؤسسات الدعوة الإسلامية من أي امتهان أو استغلال؛ إذ كان للوقف دور أساسي في حماية العلماء الأحرار، وتمويل الجماعات والهيئات والتنظيمات الشعبية، ومساعدتها لتجاوز قبضة المركزية والاستبداد والفقر والخصاصة، مما تعمقه إدارة الدولة التسلطية وتعمل على إدامته وتأبيده، تحكما في أرزاق الناس، واستعبادا للفئات المحرومة، وإشغالها بهمومها المعيشية اليومية، وإلهائها عن أي تفكير رسالي هادف، أو طموحات حضارية راسخة.
والمتأمل في الواقع السياسي والاجتماعي للبلاد الإسلامية، يكتشف الحاجة الماسة لمؤسسات الوقف؛ إذ هذه المؤسسة العريقة هي القادرة على تجاوز حالات الاختناق التي تعيشها الدولة، وكذا تطوير ملكات المجتمع، واستثمار طاقاته، ونقله من حالات اللامبالاة والحيادية السلبية إلى الجدية والمسؤولية، لما يثق هذا المجتمع في استرجاع إرادته، وتحترم الدولة مجالها واختصاصاتها المحددة بالقانون. إلا أن إحياء مؤسسة الوقف، كمؤسسة دينية وتاريخية واجتماعية، يوجب تمتيعها بشخصيتها الاعتبارية والمعنوية، ورفض وصاية الدولة عنها، فهي مؤسسة مجتمعية ذات نفع عام تنشأ وتستمر وتنتهي بشكل قانوني ، كما يقتضي الأمر تطوير نظرتنا الاجتماعية والفلسفية إلى الوقف، وعدم الاقتصار على الأشكال والأنواع التاريخية، وتوجيه الوقفيات لخدمة قضايا المجتمع المعاصر، وما يطرحه من مشكلات وتحديات، في مجالات عدة؛ كالعلم والمعرفة، والطب، والصناعات، ومؤسسات البر الكثيرة..
3) دور الوقف في التنمية والنهوض الاجتماعي:
كان الوقف إذا مصدر قوة للمجتمع، من غير أن يكون خصما للدولة، بل هو الذي يعزز رابطة المرجعية الشرعية بين الدولة والمجتمع، مما يعمق التلاحم بينها ويرسخ التعاون الاجتماعي النافع.
وإذا كانت البلاد الإسلامية قد جربت كثيرا من مشاريع التنمية ذات الخلفيات الفلسفية الحداثية الغربية، فإن التحديات الحضارية المعاصرة تفترض العودة إلى الذات، واستنهاض طاقاتها، والاستفادة من ثقافة التدين في المجتمع الإسلامي للدفع بعجلة التنمية إلى الأمام؛ فبالتدين يمكن نشر الخير، وتنمية المجتمع، وإشاعة روح السخاء والبذل والتنافس في الإنفاق بين الناس. وبكثرة الأوقاف يمكن توظيف العاطلين، وتشجيع الاستثمارات المحلية، وغرس روح الكسب والجد في الأفراد، والفرار من حياة الخمول والعجز والعالة، فيكون الوقف مصدر قوة مزدوجة لكل من المجتمع والدولة . وبالوقف يمكن أن توفر الدولة مصادر مالية إضافية لتمويل مشاريع مختلفة، وبالمقابل تتخفَّف الدولة من مجموعة من المصاريف التي تثقل كاهل ميزانيتها.
لقد أثبتت التجربة التاريخية دور الوقف في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والصحية من رعاية المساجد إلى بناء المدارس والمستشفيات. وهذا ما يفترض الرجوع إلى خبرة الأمة الحضارية، والاستفادة من حالة الصحو التي تعيشها اليوم للانتقال إلى حالة التنمية والنهوض.
إن تنمية المجتمع الإسلامي لن تتم باستنبات المفاهيم والفلسفات والمناهج الغربية في وجدان الأمة، ولكن التنمية الحقيقية هي التي تنطلق من رصيد الأمة ووحدتها العقدية والاجتماعية، بخصائصها الأخلاقية التي تسعى للحفاظ على المجتمع الإنساني، وليس الإسلامي فقط، من أن يتحول إلى مجتمع التمزق والصراع والإلحاد والإباحية، أو ينتهي به التطور غير الموجَّه إلى مجتمع الغاب الذي يفقد فيه الإنسان الأمن والحفاظ على حقوقه وسمات آدميته المكرمة عند الله تعالى .
خاتمة:
يبقى في الأخير أن نشير إلى ضرورة تعميق البحث والنظر في الفكر الاجتماعي الإسلامي، وتحويله إلى ثقافة عامة متداولة بين الناس، والتخفف من العرض النظري المجرد لفلسفة الإسلام، وبنائه الاجتماعي، ثم العمل على إقناع الأغنياء والمحسنين وأهل المال، بالفائدة الحضارية الملحة للأوقاف، والشروع في إنشاء مشاريع وقفية اقتصادية أو اجتماعية أو علمية، يقتدى بها في ما يمكن أن يتأسس من مشاريع مستقبلية بحول الله، تتولاها أياد أمينة وكفاءات قوية، من المتدينين الأتقياء.
_ ملحوظة من الناقل : تم تجريم العمل الوقفي فى عدد من البلاد الإسلامية منها مصر للأسف لذلك يجب التحايل على تلك القوانين ، وأنما جرمت الأوقاف الأهلية لأن الدول أدركت أنها تحرر إرادة الشعوب ، ولا يعنى تجريمها التخاذل بل التحايل على هذا القانون وإيجاد سبيل ومنهج للعمل الوقفي .
المصادر :
البحث بالكامل من كتابة الأستاذ محمد همام ، ولم يتم التدخل في تغيير أي كلمة في البحث ، جعله الله في ميزان حسناته ، وتم نقل البحث عن طريق مواقع إلكترونية على عددة أجزاء حتى يسهل قراءته .