المبحث الثاني: الحداثة المعطوبة ووظيفة تدمير بنيات المجتمع .
1) الحداثة المعطوبة ضد المجتمع :
يعتبر المشروع الحداثي المستورد ذاته عادة نقيضا للتقليد ؛ والمقصود بالتقليد في إحدى دلالاته المجتمع ومؤسساته ، من هنا سعى الحداثيون إلى تفكيك بنيات المجتمع وتحطيم مؤسساته "التقليدية" واستبدلوها بالمؤسسات "الحديثة" من الدولة إلى أدنى مؤسسة في المجتمع ، هذه المؤسسات لما كانت تخضع في مرجعياتها إلى فلسفة حداثية غريبة عن ثقافة المجتمع بقيت غريبة وبعيدة عن هموم الناس ومصالحهم ، وهذا ما يمكن أن يلحظه المرء بيسر في الإدارة الحديثة ، حيث يغلب "الروتين والبيروقراطية" وتعطيل مصالح الناس ، ولم تنفع دعاوى الإصلاح الإداري ، بل تضخمت هذه المؤسسات وزادت التعقيدات والقوانين الإدارية في ما يتعلق بأي إجراء أو معاملة حتى أصبحت الدولة عالما قائماً بذاته ، أو مجتمعا آخر، مقابل المجتمع الأصلي الذي عملت المؤسسة أو الإدارة الحداثية، على إخضاعه والتحكم فيه.
وعلى المواطن أن يبحث عن انسجام مأساوي مع جهازه الإداري الذي ينقص من قيمته وكرامته كل يوم ، في تسجيل زواج أو ولادة ، أو استخراج جواز سفر، أو الحصول على إذن بناء، أو الدخول والخروج من المطار، أو تسجيل تلميذ في مدرسة أو نقله، وأما إجراءات المحاكم واللجوء إلى القضاء فحدث ولا حرج!
ولما يفقد المجتمع أبسط أشكال المقاومة، يلتجئ إلى معاقبة دولته بمقاطعتها، والتعامل مع مؤسساته بلامبالاة ، مفضلا الهروب إلى عالم الخمر والانحرافات المختلفة التي تطفو على السطح ، والتي كانت مخبأة إلى وقت قريب تحت ستار كثيف من الأكاذيب الإعلامية .\
لم تستطع الحداثة إذن أن تطور مؤسسات المجتمع، وصقل مواهبه، ودفعه في اتجاه التنمية والنهوض ، بل أصبحت عنصر تمويه عن حقيقة السلطة واستبدادها ، وتحولت الحداثة إلى سياسة براغماتية، تعيد إنتاج الاستبداد وتبرره ، وتحكم بشريعة الغاب وشريعة الحظ ، وحولت الوطن إلى حفنة من التراب وإلى حفنة من الناس، تنضح العلاقة بينهم بالشك الخفي ، ويمشي الاتهام المغلَّف بين جانب منه وجانب، وتظل فئات من الناس في يقظة ترقب ومكايدة بلا ثقة ولا اطمئنان.
لقد أفلحت الحداثة في تأسيس دولة "حرة"تعتقل شعبها وتنتج شوارع الصمت باسم الديمقراطية والحداثة والعقلانية ، وهي تعمل اليوم لاستكمال تدمير بنيات المجتمع ومرجعياته الفكرية والتربوية والقانونية من خلال الترويج لمؤسسات المجتمع المدني .
2) فلسفة المجتمع المدني:
لم يخف الحداثيون أن النموذج الذي يصدرون عنه عند الحديث عن المجتمع المدني هو النموذج الليبرالي الأوروبي الذي يشكل النظام الرأسمالي هيكله ونسج علاقاته، فلم يكن الغرض من استنبات المجتمع المدني في الأرض العربية هو فقط للحد من تسلط دولة الحزب الوحيد ودولة الضباط الأحرار وتجاوز مجتمع "العسكر" ومجتمع القبيلة ودولة الزعيم الرائد... كما زعم الجابري، ولكن فكرة المجتمع المدني جاءت تقليدا للغرب ورغبة يائسة في اللحاق به مع حرق المراحل وتجاوز المعطيات الثقافية والحضارية وشروط التنمية والتقدم التي تحكم البلاد العربية ، وإلا فالدولة الحداثية لم توفر التعبير الديمقراطي الحر ولم تكرس مجتمع المؤسسات ، بل زادت في إذلال المجتمع والسيطرة عليه وفق نظام السخرة والاستعباد حتى أصبحت هذه الدولة الحداثية ضد المجتمع والأمة ، ولم تزد الدعوة الحداثية إلى المجتمع المدني إلا ارتباط الشعوب العربية واعتصامها بمؤسساتها الأصيلة كالمسجد والمدرسة العتيقة والأسرة ، هذه المؤسسات التي تعيش في وجدان الشعب وضميره ، وأصبح ينظر إلى المؤسسة الحداثية على أنها غريبة عنه ومفروضة من أعلى ، وهي أداة قهر ليس إلاَّ ووسيلة لنقض كيان هذه المؤسسات الأصيلة. وبرغم هذه الحصانة الذاتية، فقد لعبت المؤسسة الحداثية المستوردة دورا أساسيا في تفكيك مفهوم المجتمع (أي الجماعة الملتحمة) أي عناصر ترابط الشعب والأواصر التي تربط الأفراد ، كما أزالت هذه المؤسسات الحداثية شعور الجماعات الأصلية بذاتها ، وحطمت شعور الفرد بارتباطه بها وانتمائه لها ، مما قضى على حرية المجتمع وقدرته على التكتل في تنظيمات وهيئات نابعة منه تحميه من الدولة و قهرها ، فافتقد المجتمع حكمه الذاتي، وأحكمت عليه سيطرة الدولة ، وتجذرت هيمنة الجهاز الحكومي ووصايته على كل مناشط الحياة وربط به المواطن رغبا أو رهبا في جميع أموره الحياتية .
ولم تعد تنطلي على الشعوب الدعاوى الحداثية والعلمانية المزيفة، التي تبشر بالدولة العلمانية المنفتحة التي تتيح وتكفل حرية الضمير ، وتصون التعددية الإيديولوجية للمجتمع وتؤمن حرية الاعتقاد ، وحتى المجتمع المدني الذي بشر به الحداثيون لم يستطيعوا دمجه في البنية الاجتماعية والثقافية للبلاد العربية ، وظل جسما غريبا عن المجتمع الأصلي ، بل أصبح المجتمع المدني ، مجرد مصطلح تلوكه النخبة في الصالونات ومنتديات الترف الفكري .
فإذا كان الاجتماع الإسلامي مؤسسا على فلـسفة التعاون والتعارف والتآزر ، (إنما المؤمنون إخوة) [الحجرات: 10] ، فإن فلسفة المجتمع المدني كما يتم الترويج لها ، تتأسس على الصراع الذي هو بحسب التصور الغربي عملية دائمة في المجتمع ، فوجود المؤسسات والهيئات إنما هو لتنظيم هذا الصراع من حيث أشكاله ودوره ، فالصراع هو المحرك الأساسي لعملية التنمية ، مما يفترض وجود صراع منظم داخل بنية المجتمع وبين مكوناته .
وبهذا يمكن تفسير ارتفاع نسب التوتر والاحتقان السياسي والاجتماعي داخل الدولة الحداثية ، فبقدر إمعان الدولة ونخبها في النزوع الحداثي المستورد ، بقدر ما يتعمق الصراع والتناقض بين الأفراد والمؤسسات وتشتد القطيعة مع القيم الثقافية والاجتماعية الأصيلة المبنية على التآزر والولاء والنصرة بين جماعة المؤمنين في المجتمع الإسلامي .
هذه القطيعة بين الفكر الحداثي ونماذجه المؤسساتية مع محيطه الحضاري ومجاله التداولي هي التي ستعرض المشروع الحداثي برمته للانهيار وأفقه للانسداد فيتحول إلى وكيل للاستكبار العالمي ومقاول لأطروحات الغرب وفلسفاته ذات النزوع الاستغلالي المعيق لأي تنمية حضارية محلية .
3) مؤشرات انهيار المشروع الحداثي المعطوب: من تفعيل المجتمع المدني إلى تعزيز الدولة التسلطية :
برغم أن عناصر الحداثة على مستوى بناء الدولة وتنظيم علاقاتها بالمجتمع ، قد ظلت قشرة سطحية لم تستطع تدمير المؤسسات الاجتماعية والثقافية الأصلية ، إلاَّ أن هذه الحداثة عملت، عكس ادعائها على تعزيز بناء الدولة التسلطية، وخدمت الحداثة سلطة الدولة أكثر مما خدمت المجتمع ، بل استخدمت الدولةُ الحداثةَ لإحكام قبضتها على المجتمع ، فكانت الحداثة العربية إذن ضد المجتمع ومعيقة لتقدمه على عكس دورها في تاريخ المجتمعات الأوروبية .
فإذا كانت الحداثة الغربية، بحسب أطروحة ماكس فيبر، قد قرنت بين العنصر الإيديولوجي البروتستانتي (الكالفيني على الخصوص) والشروط الاجتماعية والاقتصادية ، لتحقيق التنمية والنهوض ، فإن المشروع الحداثي العربي يعتبر نفسه نقيضا للدين فكرة ومؤسسات ، أي مأسسة الدين في مؤسسات دنيوية ، وهذا ما أفقد هذا المشروع صلته بواقعه ، وقطع جذوره المرجعية والحضارية ، إضافة إلى مجموعة من المؤشرات تدل على النهاية المأساوية لمشروع الحداثة المعطوبة، التي يمكن إجمالها في العناصر الآتية :
أ. غياب مرجعية فكرية وإيديولوجية ضابطة للمشروع الحداثي ، حتى إن صفة "حداثي" قد تطلق على من يقول الرأي ونقيضه ؛ فمرة الحداثي ليبرالي متوحش وأخرى اشتراكي اجتماعي ومرة أخرى تكنوقراطي حيادي....
ب. افتضاح الانتهازية السياسية للحداثيين العرب من خلال تنكرهم لقيم ما فتئوا يطالبون بها، كالديمقراطية والتعددية والمجتمع المدني ، وتواطئهم مع أجهزة الدولة التسلطية، والإمعان في إذلال المجتمع وتسخيره لهذه الدولة واندماجهم في أشكال من دول القهر كالدولة البوليسية ودولة العسكر والدولة التبعية وغيرها .
ج. انسحاب الحداثيين العرب من ساحة المجتمع، وابتعادهم عن هموم الناس وقضاياهم ، وتحولهم إلى "أرستقراطية" همها أن تقتات على موائد الغرب أو الدولة التسلطية ، قد تكلف في بعض الأحيان بإنجاز أنواع من الدراسات "المخابراتية" لفائدة مراكز البحث الأجنبية بتمويلات سخية .
د. صعود تيار وطني إسلامي منغرس الجذور في تربة الوطن وفي وجدان الشعب، وأكثر التحاما مع هموم المستضعفين وأقدر خبرة وإنجازا على تفعيل مؤسسات المجتمع الأصلية والحد من هيمنة الدولة وجبروتها ، من دون إغفال ما يعرفه هذا التيار من اختلالات فكرية وتصورية وارتباطات مضطربة بالتاريخ والعلم والمستقبل .
وخلاصة القول: إن مؤسسة الحداثة المعطوبة برغم تفانيها في ترسيخ نمط التحديث الغربي في المجتمعات الإسلامية ، مازالت تصطدم بمناعة فطرية حادة ، ولم تستطع تطويع وجدان الشعب وطاقاته لأشكالها المؤسساتية الدخيلة ، وبقيت دولة الحداثة المعطوبة غريبة عن المجتمع ، والمواطن العادي ينظر إليها توجسا وخيفة ، وفي المقابل بدأ المجتمع الأهلي يبني ذاته، ويؤسس مؤسساته، ويستثمر طاقاته ومواهبه من خلال أشكال وأنماط متعددة تضرب بجذورها في أعماق تاريخ الأمة، وخبرتها الحضارية، وتألقها العمراني ، وذلك ما سنحاول دراسته في الفصل الثاني من هذا البحث .
يتبع إن شاء الله .......