أسرار الصفقة التي تمت بين طالبان وأمريكا قبيل الإنسحاب





بعد الإنسحاب الأمريكي من أفغانستان، كيف وصلت طالبان إلى أبواب الإمارة الإسلامية الثانية، لتعلن نهاية الصراع على السلطة، والمستمر منذ الانقلاب على الملك محمد ظاهر شاه عام 1973؟

وهل انتصرت طالبان فعلاً على الولايات المتحدة الأميركية، على غرار انتصار المجاهدين الأفغان على الاتحاد السوفياتي وإجباره على الانسحاب من أفغانستان عام 1989 بعد 10 سنوات من الاحتلال الإجرامي البشع؟ أم أن الولايات المتحدة سلّمت أفغانستان لطالبان؟ وإن كانت فعلت ذلك فلماذا أقدمت على هذا الأمر؟ وهل هناك صفقة سرية تم إبرامها بين الطرفين تحقق مصالح كل منهما لدى الآخر، وتفتح الباب لمرحلة جديدة تغيّرت فيها القيادات والإدارات والأهداف التكتيكية، وتنوعت فيها المعلومات والخبرات والعلاقات، ولكن الإستراتيجيات ظلت على حالها لم تتغير؟


من يشاهد التطورات الدرامية المتلاحقة في أفغانستان ينبغي ألا تأخذنا بعيداً عن حقيقة ما يدور، ولا عن موقع ما يدور في سلسلة الأحداث وخضوعه للقواعد السياسية، فالسياق الدولي الراهن يفرض بقوة على الأنظمة الحاكمة أن تتعاون مع النظام الدولي وقواه المتحكمة، بل يتجاوز الأمر أحيانا حدود التعاون إلى الإذعان.


إن الطريقة التي سقطت بها الولايات الأفغانية واحدة تلو الأخرى بيد حركة طالبان، ودخولها السريع للعاصمة كابول، وما صاحبه وتلاه من مشاهد عالية الإثارة والتشويق، شغلت العالم أجمع وملأت وسائل التواصل الاجتماعي بالتعليقات والمشاركات، كلٌ على طريقته، وشغلت وسائل الإعلام في تغطيات متواصلة لعدة أيام، وهيَّجت عواطف المسلمين في العالم أجمع فرحا بـ"انتصار" طالبان و"هزيمة" الولايات المتحدة الأميركية.


كل هذه المشاهد والتطورات المتلاحقة التي تراها العين حيّة على الشاشات ووسائل الإعلام ينبغي ألا تأخذنا بعيداً عن حقيقة ما يدور، ولا عن موقع ما يدور في سلسلة الأحداث وخضوعها للقواعد السياسية الحاكمة، خصوصاً أن هذه المشاهد والتطورات جاءت وفقاً للجدول الزمني المتفق عليه بين طالبان والولايات المتحدة، بغض النظر عن التفاصيل التي رافقت عملية التنفيذ.


مفاوضات وعلاقات

بدأت العلاقات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان منذ سيطرتها على الحكم في أفغانستان عام 1995، وهذا التواصل أمر طبيعي لا يشين حركة طالبان التي كانت على رأس السلطة، وبالتالي كان عليها أن تتعامل مع تحدياتها المحلية والإقليمية والدولية، والوضع الدولي الراهن يفرض على الأنظمة الحاكمة أن تتعاون مع النظام الدولي وقواه المتحكمة، بل يتجاوز الأمر أحيانا حدود التعاون إلى الخضوع، وقد تابعنا في السنوات القليلة الماضية العديد من نماذج الخضوع هذه، وتناولنا لهذه العلاقات يأتي من باب فهم ما يجري في موقعه الصحيح، بعيدا عن العواطف والانفعالات وتجاذبات التأييد والمعارضة.


العلاقات القوية في تلك الفترة بين حركة طالبان وتنظيم القاعدة، عرقلت نمو العلاقات الأميركية مع طالبان بما يخدم مصالح الجانبين، وفي أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، أصبحت طالبان ضمن الأعداء الرئيسيين للولايات المتحدة، وتمت الإطاحة بها عن السلطة وحربها لفترة استمرت أكثر من 15 عاما، ومع ذلك لم تنقطع الاتصالات بين الطرفين، مباشرة أو عن طريق الوسطاء الإقليميين، وخاصة بعد مقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في مايو/أيار 2011.


وأثناء هذه السنوات، قال أكثر من مصدر إعلامي مطّلع أن الولايات المتحدة عرضت قبولها مشاركة طالبان في الحكومة الأفغانية مقابل الموافقة على امتيازات إستراتيجية معينة للولايات المتحدة، على رأسها الاحتفاظ بقاعدة باغرام الجوية شمال كابل،. لكن طالبان رفضت هذا الشرط فعرضت الولايات المتحدة عليها تسليمها كامل السلطة في أفغانستان مقابل الاحتفاظ فقط بقاعدة باغرام الجوية، ولكن طالبان رفضت هذا العرض أيضاً.


استمرت العلاقات بين طالبان والولايات المتحدة حتى وصلت حد التنسيق والتعاون بينهما في المعلومات والعمليات العسكرية التي كانت  تستهدف تنظيم داعش في ولاية كونر الأفغانية عام 2014، وفقاً لما جاء في شهادة الجنرال فرانك ماكنزي القائد الأعلى للقوات الأميركية في أفغانستان والشرق الأوسط، أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي.


استمر هذا التواصل بين الولايات المتحدة وحركة طالبان حتى تمت الموافقة على الدخول في مفاوضات مباشرة في الدوحة عام 2018 لإنهاء الحرب وإحلال السلام في أفغانستان، وقد تُوّجت هذه المفاوضات -بعد 18 شهرا- بتوقيع اتفاقية إحلال السلام بينهما في نهاية فبراير 2020.


وصول طالبان لحكم الولاية الثانية

كانت اتفاقية السلام في أفغانستان بين طالبان والولايات المتحدة في الوقت نفسه مطلباً حيوياً للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي كان يتعجل الوصول إلى إتفاق سلام يتم على أساسه سحب القوات الأميركية من أفغانستان، للاحتفال به والاستفادة من هذا الحدث في حملته الانتخابية للفترة الرئاسية الثانية، وكان من المقرر أن يعقد مؤتمراً مع طالبان في كامب ديفيد، إلا أنه عدل عن ذلك.


وبحسب الإتفاقية المعلنة التي جاءت في 3 صفحات ونصف، اشتملت على 5 مسائل حددت ملامح المستقبل السياسي القادم في أفغانستان، وهذه المسائل هي:


1. أن إتفاق السلام المبرم بين طرفين اثنين فقط:

هي إمارة أفغانستان الإسلامية والولايات المتحدة الأميركية، وقد ورد ذكر الإمارة في الاتفاقية 15 مرة، وبرغم أن الإتفاقية تبعتها بعبارة "التي لا تعترف بها الولايات المتحدة كدولة والمعروفة باسم طالبان"، فإنها تشير بشكل قبول الولايات المتحدة المبدئي بشكل الدولة التي ستترتب على هذه الاتفاقية، وهي إمارة أفغانستان الإسلامية، وهو الاسم الذي كانت تستعمله حركة طالبان قبل الاجتياح الأميركي.


2. التفاوض بين الطرفين

والتي استمرت لمدة عام ونصف بين طالبان والحكومة الأميركية، دون إشراك الحكومة الأفغانية أو أي طيف آخر من أطياف المجتمع الأفغاني، وهذا مؤشر بارز على قرار الولايات المتحدة المسبق والمدروس على تسليم السلطة لطالبان، التي ستقوم بتشكيل الحكومة الإسلامية الأفغانية الجديدة على النحو الذي يحدده الحوار بين الأفغان.


3. اشترطت الحكومة الأمريكية على طالبان ما يأتي:

  • عدم السماح باستخدام الأراضي الأفغانية من قبل أي جماعة أو فرد من أفرادها أو أفراد الجماعات الأخرى، بما في ذلك القاعدة، ضد أمن الولايات المتحدة أو حلفائها.
  • القول بكل  وضوح بأن أولئك الذين يشكلون تهديداً لأمن الولايات المتحدة وحلفائها ليس لهم مكان في أفغانستان.
  • إصدار تعليمات لأفرادها بعدم التعاون مع الجماعات أو الأفراد الذين يشكلون تهديداً لأمن الولايات المتحدة وحلفائها.
  • عدم السماح لأي جماعة أو فرد في أفغانستان من تهديد أمن الولايات المتحدة وحلفائها، ومنع تجنيدهم وتدريبهم وتمويلهم واستضافتهم.
  • ضمان أن سجناء طالبان المفرج عنهم سيكونون ملتزمين بالمسؤوليات المذكورة في الاتفاقية، حتى لا يشكلوا تهديداً لأمن الولايات المتحدة وحلفائها.
  • الالتزام بالتعامل مع طالبي اللجوء أو الإقامة في أفغانستان وفقاً لقانون الهجرة الدولي، والتعهدات الواردة في الاتفاقية حتى لا يشكل هؤلاء تهديداً على أمن الولايات المتحدة وحلفائها.
  • عدم منح تأشيرات سفر، أو جوازات سفر، أو تصاريح سفر، أو أي من الوثائق القانونية الأخرى لأولئك الذين يشكلون تهديداً على أمن الولايات المتحدة وحلفائها للدخول إلى أفغانستان.

4. ما ستلتزم به الولايات المتحدة :

  • أن تسحب الولايات المتحدة وحلفاؤها جميع قواتهم من 5 قواعد عسكرية (وردت هكذا دون تحديد أسماء هذه القواعد).
  • أن تستكمل الولايات المتحدة وحلفاؤها سحب جميع القوات المتبقية من أفغانستان في غضون الشهور التسعة والنصف المتبقية.
  • أن تسحب الولايات المتحدة وحلفاؤها والتحالف جميع قواتهم من القواعد المتبقية.
  • إلغاء العقوبات الأميركية المفروضة على أفراد طالبان.
  • بدء التواصل مع مجلس الأمن الدولي لرفع أفراد طالبان من قائمة العقوبات الدولية.
  • تمتنع الولايات المتحدة وحلفاؤها عن التهديد أو استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأفغانستان أو التدخل في شؤونها الداخلية.
  • مطالبة مجلس الأمن الدولي بالاعتراف بالاتفاقية وإقرارها.
  • التعاون الاقتصادي من أجل إعادة الإعمار.

5. تسليم السلطة إلي طالبان

وأن تلتزم بتشكيل حكومة تشارك فيها القوى والمكونات الأفغانية الأخرى. وأن طالبان والولايات المتحدة ستسعيان إلى إقامة علاقات إيجابية مع بعضهما، وكذلك بين الولايات المتحدة والحكومة الإسلامية الأفغانية الجديدة بعد التسوية التي يحددها الحوار بين الأفغان.


وكما هو واضح، فإن اتفاقية السلام المبرمة بين طالبان والولايات المتحدة العام الماضي، كانت اتفاقية تسليم أفغانستان لحركة طالبان، فما الذي دفع الولايات المتحدة إلى ذلك؟ وما الذي حصلت عليه مما لم تنص عليه الاتفاقية.


(يتبع…: الملاحق السرية)


المصدر : من مقالات الجزيرة نت


تعليقات