الطفرة التركية في الصناعات العسكرية ... كيف تحولت تركيا من دولة مستوردة للسلاح إلى دولة صاعدة في صناعته




منذ الحرب في قبرص وتركيا أدركت أن القوة الدولية لا تتحقق إلا من خلال الإكتفاء الذاتي من إنتاج السلاح وتصديره .

و بمجئ رجب طيب أردوغان إلى سدة الحكم وجدت هذه القناعة منعطفاً سيغير الكثير من الأشياء ، فبدأ بالاستفادة من القوى الدولية الرائدة في هذه الصناعة والتى لم تعد راضية عن التفوق العسكري التركي وبدأت بفرض عقوبات على هيئة الصناعات الدفاعية التركية، وذلك بمبرر شراء أنقرة صواريخ "إس-400" (S-400) الروسية .


وقعت العقوبات الجديدة التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية أساساً على هيئة الصناعات الدفاعية التركية ومسؤولين فيها، أولهم رئيسها إسماعيل ديمير الذي أكد أن العقوبات لن تزيده وزملاءه إلا إصراراً على تحقيق الإكتفاء الذاتي خصوصاً في الأسلحة الإستراتيجية .


بررت واشنطن هذه العقوبات بأن منظومة "إس-400" التي حصلت عليها تركيا سوف تعرض أمن التكنولوجيا والعسكريين الأميركيين للخطر ، كما أنها سوف تشكل نقطة ضعف لأنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) ، وهو ما نفاه المسؤولون الأتراك .


ويري الكثير من المراقبين أن تلك العقوبات التي فرضتها واشنطن لن يكون لها تأثير كبير على تركيا ، مستدلين بأنها لم تستهدف وزارة الدفاع التركية ، لأنها برأيهم ترتبط مع واشنطن باتفاقيات إستراتيجية وتعاون عسكري رفيع وتاريخي ، ويرجّح محللون ومتابعون للشأن التركي أن دافع تلك العقوبات المحدودة هو انزعاج أميركا من تطور الصناعات الدفاعية التركية بشكل تعددت بصماته في عدد من دول المنطقة .


حيث ظهر تفوق الدفاعات التركية على مدى السنوات الأخيرة في الساحات السورية ضد مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية في الشمال السوري ، وفي العام الأخير حين نجحت قوات حكومة الوفاق الليبية بدعم أنقرة من ترجيح كفة الميدان لصالحها في الغرب الليبي ، على حساب قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر ، و تُوجت الفاعلية العسكرية التركية في الأسابيع القليلة الماضية في حسم معارك إقليم ناغورني قره باغ لصالح أذربيجان ضد أرمينيا .


وكان للطائرات المسيرة التركية دورا كبير في كل تلك الساحات الحربية ، بعد أن نمت صناعتها في العقد الأخير حتى غدت تركيا من أكبر أربع دول في العالم في مجال تصنيع الطائرات المسيرة ، لدرجة أن وزير الدفاع البريطاني بن والاس أبدى خلال كلمة له في 11 ديسمبر الحالي إعجابه بالطائرات المسيّرة التركية، ومدى فعاليتها على الأرض، ولا سيما طائرة "بيرقدار تي بي2" (BayraktarTB2)، مقرّا في الوقت نفسه بابتكار أنقرة في مجال الدفاع رغم التضييق عليها .


و تعود بدايات تركيا في المحاولة في الصناعات الدفاعية منذ الحرب القبرصية عام 1965 وموقف حلفاءها منها ، فقد فرضت واشنطن على أنقرة حظرا لتصدير السلاح بين عامي 1975 و 1978، وهو ما دفع أنقرة لوضع خطط لتطوير صناعتها العسكرية بوتيرة سريعة ، وذلك بغرض القطيعة من الاستعانة للاستيراد في تلبية حاجياتها العسكرية .


ففي أواسط ستينيات القرن الماضي ، تم تأسيس جمعية خاصة بالصناعات البحرية ، وفي عام 1970 أسست جمعية لتقوية القوات الجوية ، وبعد حرب قبرص في العام 1974 جُمعت المؤسستان في فرع واحد .


وجاءت الخطوات الكبيرة بعد عام 1985 فيما يتصل بالتحول للصناعة العسكرية الدفاعية، والتي وفرت بداية ما نسبته 18% فقط من احتياجات الجيش التركي، بينما تبلغ هذه النسبة حاليا 70% ضمن مسار شمل كافة القطاعات. 


وفي عام 1988، تم تأسيس شركة تصنيع الصواريخ، وشركات عديدة أخرى، وأصبحت تركيا منذ عام 2000 دولة منتجة لمعظم أسلحتها .


ومنذ عام 2002، حققت تركيا قفزات استعرضها الرئيس أردوغان بنفسه قبل أشهر، مشيرا إلى إرتفاع ميزانية الدفاع إلى 60 مليار دولار مقابل 5.5 مليارات فقط عام 2002، كما ارتفع عدد الشركات العاملة في الصناعات الدفاعية خلال الفترة نفسها من 56 إلى 1500 شركة، وأكدت وزيرة التجارة التركية روهصار بكجان أن الصناعات الدفاعية حققت عام 2019 صادرات قاربت 2.5 مليار دولار، مقابل نحو 250 مليون دولار فقط عام 2002 .


كل هذه الأرقام أثارت تخوفات كلا من أمريكا و أوروبا من النمو العسكري التركي المتزايد ، وإلا فإن في حلف شمال الأطلسي دول أخرى غير تركيا تقتني منظومة دفاع صاروخي روسية -كاليونان مثلا- دون أن تلقى رد الفعل الغاضب ، أو توقع عليها عقوبات مماثلة .


وأنما هذا التخوف لأن تركيا أصبحت ضمن أكثر أربع دول نمواً في الصناعات العسكرية ، حيث أن تركيا انتقلت من المرتبة 29 عالميا في مجال تصدير الأسلحة في فترة 2000-2004 ، إلى المرتبة 19 في فترة 2010-2014 ، ثم أصبحت في المرتبة 13 عالميا في فترة 2015 -2019 .


وعلى الرغم من أن تركيا دولة صاعدة في مجال تصنيع و تصدير الأسلحة إلا أنها لا تزال مرتبطة بقوى عسكرية كبرى في الحصول على مكونات أساسية في الترسانة العسكرية ومن أبرزها المحركات ، ورغم ذلك استطاعت زيادة المعدات العسكرية التي تصدّرها لعدد من الدول في شرق آسيا وأفريقيا، ولا سيما في مجال المركبات المدرعة الخفيفة، وسفن الدوريات الصغيرة .


واستطاعت تركيا إنتاج مجموعة متنوعة من الترسانة العسكرية، منها المركبات المدرعة و الفرقاطات ومختلف أنواع المدفعية، والذخائر ومجموعة من الصواريخ المتنوعة، وطائرات التدريب، و الرادارات و المستشعرات، وأنظمة الحرب الإلكترونية، ومعدات الاتصالات.


غير أن الصناعات العسكرية التركية لا تزال تعتمد على الاستيراد في بعض ميادين التكنولوجيا الدفاعية، ومن ذلك محرك دبابة " ألتاي"، ومحرك الطائرة الحربية "تي إف-إكس" (TF-X ) . ومن المعوقات الأساسية التي تحول دون تحقيق تركيا الاستقلالية الكاملة في حاجياتها العسكرية -بحسب تقرير المعهد السويدي- هو عدم قدرة أنقرة على إنتاج أنظمة تسليح معقدة، مثل الطائرات الحربية والغواصات ، دون مساعدة أجنبية .


المصدر : a7ssan

تعليقات